[ ما ورد عن ذي النون المصري في التوبة وأقسامها ]
أمّا التّوبة فإنّها سعى من مساعي القلب
شرح
والسكون إليها والإدلال بها ، وهذا مطالعة التوحيد ، وعلو الإشراق بالمريد ، ثم يشهد بعد ذلك تقصيره كله عن القيام بحق الربوبية لعظم ما يشهد من جلاله ، فتكون توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة مشاهدته ، ويكون استغفاره من توبته لما ضعف قلبه ونقص همه عن معاينة مشاهده لعلو مقامه ، ودوام مزيده وإعلامه ، ولكل مقام توبة ، ولكل حال من مقامات التوبة توبة ، ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة ، فهذا حال التائب المنيب الذي هو من اللّه مقرب وعنده حبيب ، وهذا مقام مفتن تواب : أي مختبر بالأشياء ، مبتلى بها تواب إلى اللّه تعالى منها ، راجع إليه عنها ، ناظر إليه بها لينظر مولاه ، أو ينظر بقلبه إليه أو إليها ، أو يعتكف عليه أو عليها ، أو يطمئن بوجودها إليه ، أو إليها ، أو يطالب إياه هربا منها أو إياها ، فعليه من كل مشاهدة لسواه ذنب ، وعليه من كل سكون إلى سواه عتب ، كما له من كل شهادة علو ، ومن كل إظهار في الكون حكم ، فذنوبه وتوباته إلى اللّه لا تحصى .
وسئل ذو النون المصري عن التوبة ؟ فقال : توبة العوام من الذنوب ، وتوبة الخواص من الغفلة . وقال أبو الحسن النوري : التوبة أن تتوب من كل شئ سوى اللّه عز وجل .
وقال عبد اللّه بن علي التميمي : طائفتان ما بين تائب يتوب من الزلات ، وتائب يتوب من الغفلات ، وتائب يتوب من رؤية الحسنات . وقال صاحب العوارف : توبة الاستجابة هي أن تستحى من اللّه لقربه منك إذا تحقق بها ربما تاب في صلاته من كل خاطر يلمّ به سوى اللّه ، ويستغفر اللّه منه ، وهي لازمة لبواطن القرب كما قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . وقال : وسئل أبو يعقوب السوسي عن التوبة ؟ فقال : التوبة من كل شئ ذمه العلم إلى ما مدحه العلم . قال : وهذا وصف يعم الظاهر والباطن لمن كوسف بصريح العلم ، لأنه لا بقاء للجهل مع العلم كما لا بقاء لليل مع طلوع الشمس ، وهذا يستوعب أقسام التوبة بالوصف الخاص والعام ، وهذا العلم يكون علم الظاهر والباطن لتطهر الظاهر والباطن بأخص أوصاف التوبة وأعم أوصافها . قال المصنف رحمه اللّه : وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ، ويجعل العلم كالسابق ، والمقدمة والترك كالثمرة ، والتابع المتأخر ، وبهذا الاعتبار قال عليه الصلاة والسّلام « الندم التوبة » إذ لا يخلو الندم بمن علم أرجبه ، وعن عزم يتبعه ويتلوه ، فيكون الندم محفوظا بطرفيه : أعنى ثمرته ومثمرة ، وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة : إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ، فان هذا يعرض لمجرد الألم ، ولذلك قيل هو نار في القلب تلتهب ، وصدع في الكبد لا ينشعب ، وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة : إنه خلع لباس الجفاء ، ونشر بساط الوفاء . وقال سهل بن عبد اللّه التستري :
التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ، ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت ، وأكل الحلال ، وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة ، والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ، ولذلك بينه رحمه اللّه تعالى على الاختصار فقال ( أما التوبة ) النصوح ( فإنها سعى من مساعي القلب )