فهذه هذه . والثّانى من الأمرين إنّما تلزمك التّوبة لتقبل منك عبادتك ، فإن ربّ الدّين لا يقبل الهديّة وذلك أنّ التّوبة عن المعاصي وإرضاء الخصوم فرض لازم وعامّة العبادة الّتى تقصدها نفل فكيف يقبل منك تبرّعك والدّين عليك حالّ لم تقضه ؟
وكيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مصرّ على فعل المحظور والحرام ؟ وكيف تناجيه وتدعوه وتثنى عليه وهو - والعياذ باللّه - عليك غضبان فهذا ظاهر حال العصاة المصرّين على المعصية واللّه المستعان .
فإن قلت فما معنى التّوبة النّصوح ، وما ينبغي للعبد أن يفعله حتّى يخرج من الذّنوب كلّها ؟ فأقول :
شرح
القوت والعوارف . وقال رجل لبعض الحكماء : إني لأضعف عن قيام الليل : يعنى فما السبب في ذلك وما دواؤه ؟ فقال له : يا أخي لا تعص اللّه بالنهار ، ولا تقم بالليل : يعنى شؤم ذنوبك هو الذي يمنعك من قيام الليل ( فهذه ) الجملة ( هذه ) أي عظيمة . ( والثاني من الأمرين ، إنما تلزمك التوبة لتقبل منك عبادتك فان رب ) أي صاحب ( الدين ) بفتح الدال : أي الذي عليك له ( لا يقبل الهدية ، وذلك ) أي بيان اللزوم ( أن التوبة عن المعاصي وإرضاء الخصوم فرض لازم وعامة العبادة ) أي كثرتها ( التي تقصدها نفل ، فكيف يقبل منك تبرعك ) أي هديتك ( والدين ) الذي ( عليك حال ) أي نقد ( لم تقضه ، وكيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مصر ) أي مقيم ( على فعل المحظور والحرام ) عطف تفسير ( وكيف تناجيه ) أي رب الدين ( وتدعوه وتثنى عليه ، وهو والعياذ ) أي أعوذ وأعتصم ( باللّه ) تعالى من ذلك ، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ( عليك غضبان ، فهذا ) أي الحال المذكور وهو ترك الحلال والمباح مع الاصرار على فعل المحظور ( ظاهر حال العصاة المصرين على ) فعل ( المعصية ، واللّه المستعان . فان قلت ) لي ( فما معنى التوبة النصوح ) التي ذكرت في قوله تعالى« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً »( وما حدها وما ينبغي للعبد أن يفعله حتى يخرج من الذنوب كلها ) أي صغائرها وكبائرها ( فأقول ) اعلم أيها السائل الراغب في الخير أن حقيقة التوبة من كل ذنب عشرة أعمال إلا أن يكون العبد توابا يحبه اللّه ، ولا تكون توبته نصوحا التي شرطها اللّه تعالي وفسرتها النبوة إلا أن يحكم العبد عشر توبات من كل ذنب : أولها ترك العود إلى فعل الذنب ، ثم يتوب من القول به ، ثم يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب ، ثم التوبة من السعي في مثله ، ثم التوبة من النظر إليه ، ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به ، ثم التوبة من الهمة به ، ثم التوبة من التقصير في حق التوبة ، ثم التوبة من أن لا يكون أراد إلا وجه اللّه خالصا بجميع ما تركه لوجهه ، ثم التوبة في النظر إلى التوبة