[ الكلام على « لا جرم » ]
على الذّنوب ممّا يسوّد القلوب فتجدها في ظلمة وقساوة لا خلوص فيها ولا صفاوة ولا لذّة ولا حلاوة ، وإن لم يرحم اللّه فستجرّ صاحبها إلى الكفر والشّقاوة ، فيا عجبا كيف يوفّق للطّاعة من هو في شؤم وقسوة ، وكيف يدعى إلى الخدمة من هو مصرّ على المعصية ومقيم على الجفوة ، وكيف يقرّب للمناجاة من هو متلطّخ بالأقذار والنّجاسات ، ففي الخبر عن الصّادق المصدوق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال :
« إذا كذب العبد تنحّى عنه الملكان من نتن ما يخرج من فيه » فكيف يصلح هذا اللّسان لذكر اللّه عزّ وجلّ ، فلا جرم لا يكاد يجد المصرّ على العصيان توفيقا ،
شرح
أي الإقامة ( على الذنوب مما يسود القلوب فتجدها ) أي القلوب ( في ظلمة وقساوة لا خلوص فيها ولا صفاوة ولا لذة ولا حلاوة وإن لم يرحم اللّه ) برحمته ( فستجر ) أي تجذب الذنوب تدريجا ( صاحبها إلي الكفر والشقاوة ) هما ضدا الإسلام والسعادة ( فيا عجبا كيف يوفق للطاعة من هو في شؤم وقسوة ، وكيف يدعى إلى الخدمة ) والطاعة ( من هو مصرّ على ) ارتكاب ( المعصية ومقيم ) ومستمر ( على الجفوة ) ضد البر ( وكيف يقرب ) بضم الياء مع تشديد الراء من التقريب ( للمناجاة من هو متلطخ ) أي متلوث ( بالأقذار ) جمع قذر ضد النظافة ( والنجاسات ، ففي الخبر عن الصادق ) في جميع ما يقوله ، إذ هو الحق الصدق والمطابق للواقع ( المصدوق ) فيما أوحى اللّه ، لأن الملك يأتيه بالصدق ، واللّه سبحانه وتعالى يصدقه فيما وعده به ، والجمع بينهما للتأكيد ، كذا قيل : إذ يلزم من أحدهما الآخر ، وعكس ذلك نحو ابن صياد فهو كاذب مكذوب ، ومن ثم لما قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يأتيني صادق وكاذب ، وأرى عرشا علي الماء قال له : خلط عليك ، ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) بدل مما قبله أو خبر مبتدأ مقدر ( أنه قال : إذا كذب العبد ) أي الإنسان ( تنحى ) أي تباعد ( عنه الملكان من نتن ) بفتح النون وسكون التاء : أي عفونة ( ما يخرج من فيه ) أي من نتن الكذب الذي يخرج من فمه ، وأخرج الترمذي في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر « إذا كذب العبد كذبة تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به » ( فكيف يصلح هذا اللسان ) الذي ينطق بالكذب ( لذكر اللّه عزّ وجلّ فلا جرم ) أي لا بد ، أو حقا أو لا محالة ( لا يكاد يجد المصرّ ) أي المقيم ( على العصيان توفيقا ) علي الطاعة .
[ تنبيهان : الأول ] لا جرم سياقه على مذهب البصريين أن يجعل لازما ، وجرم فعل بمعنى حق أو كسب ، ويجوز أن يقال إن لا جرم نظير لا بد فعل من الجرم وهو القطع ، كما أن بدا فعل من التبديد وهو التفريق ، فمعنى قوله تعالى« لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ » :أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبدا يستحقون النار . وروى عن العرب أنه لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء على زنة