ثمّ عليك يا طالب العبادة - وفّقك اللّه - بالتّوبة وذلك لأمرين : أحدهما ليحصل لك توفيق الطّاعة فإنّ شؤم الذّنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان وأنّ قيد الذّنوب يمنع عن المشي إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ والمسارعة إلى خدمته لأنّ ثقل الذّنوب يمنع من الخفّة للخيرات والنّشاط في الطّاعات ، وأنّ الإصرار
شرح
فان الراجع عن ذنبه لا يكون مصرا وإن عاد في اليوم سبعين مرة كما روى عن أبي بكر الصديق رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة » . ولذا قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( ثم عليك ) أي الزم وتمسك ( يا طالب العبادة ) أي الخالصة ( وفقك اللّه ) جملة دعائية ( بالتوبة ) وهي كما قال أبو علي الدقاق على ثلاثة أقسام : أولها التوبة ، وأوسطها الإنابة ، وآخرها الأوبة ، فجعل التوبة بداية ، والأوبة نهاية ، والإنابة واسطتهما فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة ، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة ، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة . قال العلامة الفشنى : كما تجب التوبة من الكبائر تجب من الصغائر ، وهو في الكبيرة باتفاق وفي الصغيرة قول الجمهور ، وتبعهم التاج السبكي ، وكان والده يتوقف في ذلك لتكفيرها باجتناب الكبائر ، ومقتضاه أن الواجب فيها اجتناب الكبائر على أن المنقول عن الأستاذ الأسفرائيني أنه لا صغيرة لعظمة من يعصى . قال أبو حامد الغزالي : وهذا ضعيف ، إذ قال تعالى« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً »قال السدى : والسيئات : الصغار ، ففي الآية دليل على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر ( وذلك ) أي وجوب التوبة عليك ، ومعناه هنا ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد ، وهي الفوز بلقاء اللّه ، والنجاة من هلاك الأبد وهو البعد عن خضرة اللّه فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشئ وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى يعقل ( لأمرين : أحدهما ليحصل لك توفيق الطاعة ) لأن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب مفتاح للطاعات ، وللفتوحات الدينية والدنيوية ، وأساس لكل الخيرات ، فعليها تنبنى المقامات ، فكل من أراد أن يبنى مقامه ، ولا يحكم أساسه لا يرتفع بل ينهدم ، وللّه در القائل :فالتوب مفتاح لكل إطاعة * وأساس كل الخير أجمع أشملا( فان شؤم ) أي سوء ( الذنوب ) جمع ذنب أصله الأخذ بذنب الشئ ، وفي العرف الشرعي عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر اللّه في ترك أو فعل ما تستوخم عاقبته ، ولذلك سمى تبعة اعتبارا بما يحصل من عاقبته ، وهو عند أهل اللّه ما يحجب عن اللّه كما أشار إليه بقوله ( يورث الحرمان ) أي المنع عن أنواع الخيرات ( ويعقب الخذلان ) أي يعقب صاحبه الخذلان والهوان ( وأن قيد الذنوب يمنع عن المشي إلى طاعة اللّه عز وجل و ) عن ( المسارعة إلى خدمته ) أي طاعته ( لأن ثقل الذنوب يمنع ) المذنب ( من الخفة للخيرات والنشاط ) أي حركة السرور ( في الطاعات وأن الإصرار )