[ العقبة الثانية وهي عقبة التوبة ]
( العقبة الثّانية : وهي عقبة التّوبة )
شرح
قال بعض الصالحين : وبالجملة فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، له تأثير عظيم في طرد الشياطين والجن ، وفي جلب الرزق والغنى والشفاء ، وتحصيل القوة ، ودفع العجز وغير ذلك ، واللّه أعلم .
هذا شرح ( العقبة الثانية ) من السبع التي ربها ( وهي عقبة التوبة ) ولواحقها الفرار والإنابة والإخبات
وهي أهم قواعد الدين ، وأول منازل السالكين ، وأصل مقامات الطالبين ، وجاء فيها آيات كثيرة وأحاديث شهيرة ، فمن الآيات قوله تعالى« وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »وقوله تعالى« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » .ومن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسّلام « توبوا إلى اللّه فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة » . وقوله عليه الصلاة والسّلام « فتح باب التوبة من المغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها » . وقوله عليه الصلاة والسّلام « من تاب قبل أن يغرغر قبله اللّه » . وقوله عليه الصلاة والسّلام « التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه » . وروى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما « أن وحشيا قاتل حمزة عمّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة : إني أريد أن أسلم ، ولكن يمنعني عن الإسلام آية من القرآن نزلت عليك وهي قوله تعالى« وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً »وإني قد فعلت هذه الأشياء الثلاثة فهل لي من توبة ؟ فنزلت هذه الآية« إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ »فكتب بذلك إلى وحشى فكتب إليه : إن في الآية شرطا وهو العمل الصالح ، ولا أدرى هل أقدر على العمل الصالح أم لا ؟ فنزل قوله تعالى« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » *فكتب بذلك إلى وحشى فكتب إليه : إن في الآية شرطا أيضا ، فلا أدرى أيشاء أن يغفر لي أم لا ؟ فنزل قوله تعالى« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »فكتب إلى وحشى فلم يجد فيها شرطا فقدم المدينة وأسلم . وروى محمد بن عجلان عن مكحول قال « بلغني أن إبراهيم عليه السّلام لما عرج به إلى ملكوت السماوات أبصر عبدا يزنى ، فدعا عليه فأهلكه اللّه تعالى ثم رأى عبدا يسرق فدعا عليه فأهلكه اللّه تعالى ، فقال اللّه تعالى : يا إبراهيم دع عنك عبادي فإن عبدي بين ثلاث خصال : بين أن يتوب فأتوب عليه ، وبين أن أستخرج له ذرية تعبدني ، وبين أن يتغلب على الشقاء فمن ورائه جهنم » . قال أبو الليث السمرقندي : في هذا الخبر دليل علي أن العبد إذا تاب قبل اللّه توبته ، فلا ينبغي للعبد أن ييأس من رحمة اللّه تعالى ، فإن اللّه تعالى قال« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » :يعنى من رحمة اللّه تعالى ، فينبغي للعاقل أن يتوب إلى اللّه في كل وقت ولا يكون مصرا علي الذنب ،