سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 139
[ بيان من لا يسأل في قبره ] والفاجر هاء هاء لا أدرى » . وفي الخلاصة وفتاوى البزازية من أئمة الحنفية : أن من جعل في التابوت أياما لينقل ما لم يدفن لم يسئل ، وهو ظاهر الأحاديث فتأمل ، ومن أكله السبع فالسؤال في بطنه كما صرّحوا به ، وأما سؤال الصغير فمنقول عن السيد أبى شجاع من الحنفية ، واعتمده صاحب الخلاصة والبزازى في فتاويه ، وجرى عليه النسفي في العمدة لكن جزم صاحب بحر الكلام بخلافه وهو مقتضى قولة النووي في الروضة والفتاوى وتوقف التاج الفاكهانى في سؤال المجنون ونحوه . وأما الأنبياء عليهم السّلام فالأصح أنهم لا يسئلون كما جزم به النسفي في بحره ، وما ورد في الصحيحين من استعاذة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من فتنة القبر وعذابه . أجاب عنه القاضي عياض في شرح مسلم بأن ذلك التزام لحق اللّه تعالى وإعظامه ، والافتقار إليه وليقتدى به أمته وليبين لهم صفة الدعاء والمهم منه . وأما الجن فمال بعض المتأخرين إلى أنهم يسئلون لعموم الأدلة الشاملة لهم ولغيرهم . وأما الملائكة فقال الفاكهانى : الظاهر أنهم لا يسئلون ، وميل القرطبي إلي خلافه والأظهر الأول . وقال ابن عبد البر : لا يسئل الكافر الصريح بل يعذب من غير سؤال وإنما السؤال للمنافق وخالفه القرطبي وابن القيم فقالا بسؤال كل منهما ، هذا . وقد وردت أحاديث باستثناء عدة فلا يسئلون : منهم الشهيد والمرابط يوما وليلة في سبيل اللّه ومن مات يوم الجمعة أو ليلتها ، ومن قرأ سورة الملك في كل ليلة والمبطون ، والمراد بالبطن الاستسقاء أو الإسهال قولان للعلماء كما ذكره القرطبي . أما ما ذكره البلقيني من أن سؤال القبر يكون بالسريانى فغير معروف بين المتكلمين ولا بين المحدثين ، قال البرهان اللقانى ثم الحق أنه يسئل كل واحد بلسانه ، وذكر الترمذي وابن عبد البر أن سؤال القبر من خصائص هذه الأمة ، ولعل الحكمة في ذلك أن يعجل عذابهم في البرزخ فيوافون القيامة والذنوب ممحصة ، وسمى الملكان المذكوران بمنكر ونكير لأن الشخص ينكرهما حين يراهما بصورة منكرة فان صفتهما « أنهما أسودان أزرقان أعينهما كقدور النحاس » وفي رواية « كالبرق وأصواتهما كالرعد إذا تكلما يخرج من أفواههما لهيب النار ، بيد كل واحد منهما مطرق من حديد لو ضرب به الجبال لذابت » . وفي رواية « بيد أحدهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها » وهما للمؤمن الطائع وغيره على الصحيح ، لكن يرفقان بالمؤمن ويقولان له إذا وفق للجواب : نم نومة العروس وينهران المنافق والكافر ، وقيل المؤمن الموفق له مبشر وبشير . وأما الكافر والمؤمن العاصي فلهما منكر ونكير كما أفاده بعضهم عن فتح القادر . قال العلامة النوبى : وإنما يسألانه بعد رد حياته إليه ، وهي غير الحياة المعهودة ، بل يحصل للبدن حياة أخرى ، كما أن حياة النائم غير حياة المستيقظ ، وهذه الحياة لا تزال متعلقة بالبدن وإن بلى وتمزق أو رد روحه إلى جسده كله أو إلى نصفه الأعلى فقط قال البرهان اللقانى نقلا عن ابن حجر ، وظاهر الخبر أنها تحل في نصف الميت الأعلى ، فيسئل البدن وفيه الروح وهو مذهب الجمهور . وقالت طائفة : السؤال للبدن بلا روح ، وأنكره الجمهور كما غلطوا من قال إن السؤال للروح بلا بدن ، وعلى كل حال هي حياة لا تنفي إطلاق اسم الميت عليه ، بل هي أمر متوسط بين الموت والحياة كتوسط النوم بينها انتهى بمعناه .