[ لا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلا بقضاء اللّه تعالى وقدره ]
وأنّه لا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلّا بقضاء اللّه تعالى وقدره وإرادته ومشيئته ، فمنه الخير والشّرّ والنّفع والضّرّ والإيمان والكفر ،
شرح
والحاصل أن للألفاظ التي نقرؤها دلالتين أولاهما التزامية عقلية عرفا كدلالة اللفظ على حياة اللافظ ، والمدلول بهذه الدلالة هو الكلام القديم ، وهذا محمل كلام السنوسي ومن تبعه ، وثانيتهما وضعية لفظية ، والمدلول بهذه الدلالة بعضه قديم وبعضه حادث ، وهذا محمل كلام القرافى وغيره فلا تنافى بين القولين كما يصرح به بعض حواشي الكبرى ، كذا أفاده العلامة البيجورى ( و ) علمت ( أنه ) أي الشأن ( لا يكون في الملك ) أي العالم السفلى ( والملكوت ) أي العالم العلوي ( فلتة ) أي فجأة ( خاطر ولا لفتة ناظر ) أي حركة عين وبين الفلتة واللفتة جناس القلب كما هو معلوم عند من له أدنى مسكة من علم البديع ( إلا بقضاء اللّه تعالى وقدره ) والقضاء عند الأشاعرة يرجع إلى الإرادة ، والقدر إلى الخلق كما في شرح المواقف ، وعند الماتريدية هما غير الإرادة فالقضاء بمعنى الخلق ، والقدر بمعنى التقدير خلافا للأشاعرة نبه عليه العلامة مرتضى ( وبإرادته ومشيئته ) عطف تفسير للإرادة ، فإرادته تعالى متعلقة بكل كائن غير متعلقة بما ليس بكائن . ثم بين رحمه اللّه تعالى تلك الحوادث التي تقع مرادة اللّه تعالى فقال ( فمنه ) تعالى ( الخير والشرّ ) خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا : إن الخير من اللّه والشرّ من العبد . ونقول نعم يظهر من العبد بحسب كسبه ، لكن بخلق اللّه تعالى فيه ، واستدلوا بقوله تعالى« ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ »والجواب عنه ، أن التقدير من فعل نفسك لئلا يضيف الشرّ إلى اللّه عند الانفراد مراعاة للأدب وإن كان ذلك من العبد بتخليق اللّه تعالى ، لأن الإضافة على نوعين : إضافة تحقيق وإضافة إكرام ، فأما إضافة التحقيق فمثل قوله تعالى« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » *وأما إضافة الإكرام فمثل قوله تعالى« ناقَةُ اللَّهِ *- ورسول الله » ثم الطاعة مكرمة مرضية ، فجاز أن تضاف إلى اللّه عند الانفراد ، فيقال الخير من اللّه والمعصية ليست بمحل الاكرام حتى تضاف إلى اللّه عند الانفراد بل عند الجملة كما قال« قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »فإنه لا يقال يا خالق الخنازير والعقارب والحيات مراعاة للأدب ، بل يقال يا خالق كل شئ كما حققه بعض المحققين ، وكذلك يحمل نحو هذه الآية من الأحاديث على ما يناسبه ، وتسمية المذكور شرا بالنسبة إلى تعلقه بنا وضرره لنا لا بالنسبة إلى صدوره منه سبحانه ، فخلق الشر ليس قبيحا إذ لا قبيح منه تعالى ، وهذا أحد معاني حديث « والشر ليس إليك » ( و ) منه تعالى ( النفع والضر والإيمان والكفر ) والحلو والمرّ والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان وكلّ عما ذكر ضد لصاحبه ، لا راد لقضائه الذي قضاه وأراده ، ولا معقب لحكمه الذي أمضاه ودبره يضل من يشاء أن يضل لاستحبابه الضلال وصرف اختياره إليه ، ويهدى من يشاء أن يهديه لصرف اختياره إلى