شرح
ومن الدليل على جواز الرؤية من الكتاب قوله تعالى« كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »خص الكفار بالحجاب تحقيرا لهم وإهانة ، فلو لم يكن المؤمنون بخلافهم لعم التحقير وبطل التخصيص . وقال النسفي : تخصيص الحجاب للكفار دليل على عدمه للأبرار ؛ وقال الربيع :
سمعت الشافعي يقول في هذه الآية : علمنا بذلك أن قوما غير محجوبين ينظرون اليه لا يضامون في رؤيته .
ومما دل على الرؤية من الكتاب أيضا قوله تعالى« لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ »فقد ورد من طرق صحيحة مرفوعة إلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل عن الزيادة فقال : النظر إلى اللّه تعالى . وأما في السنة فلما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه رفعه « هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه ، قال فإنكم ترونه كذلك » وفي بعض الروايات « هل تضامون » وفي بعضها « فإنكم ترون ربكم كذلك » والمقصود به تشبيه الرؤية لا تشبيه المرئى بالمرئى . واخرج القشيري في رسالته حديثا طويلا من رواية جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه ، وفيه « فيكشف لهم الحجاب فينظرون اللّه فيتمتعون بنور الرحمن سبحانه حتى لا يبصر بعضهم بعضا » وأحاديث الرؤية متواترة معنى ، فقد وردت بطرق كثيرة عن جمع كثير من الصحابة .
ثم إنهم بعد الجواز اختلفوا هل وقوع الرؤية مخصوص بالآخرة ؟ وهو قول جماعة وأحد قولي الأشعري وظاهر قول مالك ، واليه مال المصنف رحمه اللّه تعالى كما صرح به في الإحياء ، ومنهم من قال وقوع الرؤية غير مخصوصة بالآخرة بل تقع في الدنيا ، وهو قول الكثير من السلف والخلف من أهل الحديث والتصوف والنظر ، وإذا قلنا بأنه غير مخصوص بالآخرة فهل هو مخصوص بالأنبياء أو غير مخصوص ؟ بل يجوز للولي قولان للأشعري ، وعلى أنه مخصوص بالأنبياء فهل هو خاص بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أو غير خاص ؟ .
وبالجملة فقد اتفق الكل على وقوعها في الآخرة لجميع المؤمنين .
وأما في الدنيا فاختلف فيه صلّى اللّه عليه وسلّم على ثلاثة أقوال : الأول أنه رأى ربه وهو قول أكثر السلف وجماعة الصوفية ؛ قال النووي : وهو الصحيح . الثاني أنه لم ير وهو قول أكثر الأشاعرة وبعض السلف : الثالث الوقف وهو اختيار القاضي عياض .
وبالجملة فاختلاف الصحابة في هذه المسئلة دليل على اعتقادهم جوازها ثم هل يجوز ذلك لأولياء أمته على سبيل الكرامة ؟ وطريق التبعية في ذلك قولان للأشعرى ، وأكثر أهل التصوف خصوصا المتأخرين على أن ذلك يجوز كرامة ، وكرامة أولياء اللّه تعالى معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم ، هذا حال اليقظة ، وأما في النوم فاتفق الأكثر على جوازه ووقوعه ، ثم هذا المعتقد : أما جوازه فيصح التمسك فيه بالسمع والعقل وأما الوقوع فليس إلا بالسمع ، إذا العقل لا يهتدى كما حققه العلامة الزبيدي