تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥

[ القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق ]

وأنّ القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق وليس بحروف مقطّعة ولا أصوات إذ لو كان كذلك لكان من جملة المخلوقات
شرح
ولا تفاوت فيه ، وقد ارتفع النزاع في ذلك ، قال اللّه تعالى -ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ- وقال -إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً- وقال عليه الصلاة والسّلام « اللهم ربى ورب كل شئ أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة » . وأما من حيث صورتها العلمية : أعنى علم اللّه بها فذلك غيب عنا واللّه أعلم بغيبه ، فهذا ما نبه عليه الصوفي ، وغايته الرجوع إلى العجز الذي هو كمال الإدراك والتسليم لما في علم اللّه من حيث علم اللّه ، ومن فهم هذا التنبيه فهم المسئلة الصعبة التي أشار إليها ابن عطاء اللّه في أوّل التنوير ، وهذا البحث الذي ذكرناه لمن أراد الهمة العلية والرتبة الخاصة ، وإلا فإنه يكفى المكلف أن يعرف أن اللّه موجود ولا يجب عليه معرفة أن وجوده تعالى عين ذاته أو غير ذاته كما قاله سيدي محمد الصغير لأن ذلك من غوامض علم الكلام ( و ) علمت ( أن القرآن ) يطلق بحسب الاشتراك ويراد به القراءة ، وهي المصدر الحاصل من القارئ ويراد به المصحف : أي المجموع المؤلف من الأصوات والحروف وهو بهذا المعنى حادث ، وإضافته إلى اللّه باعتبار أنه ليس من تأليفات البشر ، بل من تأليفات خالق القوى والقدر ، ولهذا يقال القرآن ( كلام اللّه تعالى غير مخلوق ) ولا يقال القرآن غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم كما نقل عن بعض الحنابلة ، ويطلق ويراد به المقروء ، وهو الكلام النفسي ، وهو المعنى القائم بذات اللّه الذي هو صفة من صفاته ( و ) هو بهذا المعنى قديم ( ليس بحروف مقطعة ) أي متفرقة ( ولا أصوات ) هذا هو المراد من كلام المصنف رحمه اللّه ( إذ لو كان ) أي الكلام النفسي ( كذلك ) أي الحروف والأصوات ( لكان من جملة المخلوقات ) وهو باطل . وقال السنوسي وغيره من المتقدمين : إن الألفاظ التي نقرؤها تدلّ على الكلام القديم وهذا خلاف التحقيق ، لأن بعض مدلوله قديم كما في قوله تعالى« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » *وبعض مدلوله حادث كما في قوله تعالى -إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى- والتحقيق أن هذه الألفاظ تدلّ على بعض مدلول الكلام القديم لأنه يدل على جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات والألفاظ التي نقرؤها تدل على بعض هذا المدلول ، فلو كشف عنا الحجاب وفهمنا من الكلام القديم طلب إقامة الصلاة مثلا نفهم ذلك من قوله تعالى -أَقِيمُوا الصَّلاةَ *- ويصح أن يكون المراد أن الكلام اللفظي يدل على الكلام النفسي دلالة عقلية التزامية بحسب العرف ، فإن من أضيف له كلام لفظي دل عرفا على أن له كلاما نفسيا ، وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن فإنه كلام اللّه قطعا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ ، فدلّ التزاما على أن له تعالى كلاما نفسيا ، وهذا هو المراد بقولهم القرآن حادث ومدلوله قديم ، فأرادوا بمدلوله الكلام النفسي وتكفي الإضافة الإجمالية وإن لم يكن اللفظي قائما بالذات ، وفهم القرافى رحمه اللّه أن المراد المدلول الوضعي فقال منه قديم وهو ذات اللّه وصفاته ، وحادث كخلق السماوات ، ومستحيل كاتخذ الرحمن ولدا كما بسطه العلامة الملوى