تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وأنّه موجود وليس في جهة محدودة
شرح
( و ) علمت ( أنه ) تعالى ( موجود وليس في جهة محدودة ) لحدوثها ولأن ذلك من صفات المخلوقين . واعلم أن وجوده تعالى ذاتي بمعنى أنه لذاته لا لعلة ، أي أن الغير ليس مؤثرا في وجوده تعالى وليس المراد أن الذات أثرت نفسها إذ لا يقوله عاقل ، وأما الوجود غير الذاتي كوجودنا فهو بفعله تعالى ، وبعضهم لا يشاهد لغيره تعالى وجودا ، وهذا يسمى عندهم وحدة الوجود وقد غرق فيه من غرق حتى وقع من بعض الأولياء ما يوهم الاتحاد والحلول كقول الحلاج : أنا اللّه ، وكقول بعضهم : ما في الجبة إلا اللّه ، وهذا اللفظ لا يجوز شرعا لإيهامه ، لكن القوم تارة تغلبهم الأحوال فيؤول ما يقع منهم بما يناسبه وممن أفتي بقتل الحلاج حين قال المقالة السابقة الجنيد كما في شرح الكبرى ، ومن اللفظ الموهم ما شاع على ألسنة العوام من قولهم : موجود في كل الوجود ، ففيه إشارة إلى وحدة الوجود لكنه ممتنع لإيهامه الحلول . وقد اختلف في الوجود هل هو عين الموجود أو غيره ؟ فقال الأشعري : الوجود عين الموجود واختلف العلماء في فهم المراد من عبارة الأشعري ، فبعضهم أبقاها على ظاهرها ، وعليه يكون في عد الوجود صفة تسامح لأنه يقع صفة في مجرد اللفظ كأن يقال : اللّه موجود ، والمحققون كالسعد وأضرابه أولوا عبارة الأشعري ، فقالوا ليس المراد العينية حقيقة بل المراد أنه ليس زائدا على الذات في الخارج بحيث تصح رؤيته فلا ينافي أنه أمر اعتباري وهو الحق الذي لا محيص عنه ، وعليه فلا يكون في عد الوجود صفة تسامح ، لأن الصفة يكفى فيها مغايرة الموصوف وإن لم تكن زائدة لي الخارج ، ونظيره الثوب مثلا إذا كان في صندوق ثم أخرج منه فإنه يتصف بالظهور ، فهذا الظهور ليس وصفا زائدا على الثوب إلا أن العقل يقدّره وصفا زائدا فافهم هذا ، ودليله قوله تعالى« لا إِلهَ إِلَّا أَنَا » *وأيضا لو لم يكن سبحانه وتعالى موجودا ما كان شئ من الخلق ، وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب ، وأما أهل الحديث فيقول : قد ثبت عن عمران بن حصين رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « كان اللّه ولا شئ قبله » وفي طريق « ولا شئ غيره » وفي طريق « ولا شئ معه » . وقد ثبت الإجماع بل إجماع الكتب السماوية كلها كما نقله الفخر في شرح عيون الحكمة وجعل العمدة في هذه المسئلة الإجماع ، قال وأما طريق الصوفي فيقول بما تقدم ثم يقول بلسان التنبيه مشيرا إلى ما يخصه من وجود كلّ شئ له اعتباران : اعتبار من حيث صورة ذاته ، واعتبار من حيث صورة العلم به . فالصورة الأولى صورة عينية . والثانية صورة علمية واعتبر نفسك فإنك تجد الآثار التي تبدو عنك لها صورتان : صورتها العلمية من حيث إنها في ذهنك ، وصورتها العينية وهو ما بدا عنك مطابقا لعلمك ، فالأشياء أما من حيث صورتها العينية فحادثة قطعا ، وذلك هو وجودنا الذي يدرك منه وفيه تعيننا ، وهذا يجده كل مدرك عاقل من نفسه ، والعالم كله متماثل
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 134 | السيد احمد بن زيني دحلان