متكلّما منزّها عن حدوث الكلام والعلم والإرادة مقدّسا عن كلّ نقص وآفة لا يوصف بصفات المحدثين ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين ولا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شئ ولا تتضمّنه الأماكن والجهات ،
شرح
هواجس الضمير ، وخفايا الفهم والتفكير ، ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ( متكلما ) بكلام ليس بصوت ولا حرف ، بل بكلام قديم لا أول له ولا آخر له . وأما معنى قوله تعالى« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » :أي أسمعه اللّه كلامه القديم بجميع أعضائه من جميع الجهات ، وكان جبريل معه فلم يسمع ما كلم اللّه به موسى ؛ وسمع كلامه القديم أيضا سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الإسراء ، وليس اللّه في مكان ولا جهة ، بل المكان للسامع الحادث ، نسمع كلامه القديم أيضا في القيامة والجنة بغير صوت ولا حرف ولا قرب ولا بعد ، كما نرى ذاته تعالى في الآخرة من غير شبه ولا مثل ولا داخل الجنة ولا خارجا عنها ( منزها ) أي مبرأ ( عن حدوث الكلام والعلم والإرادة ، مقدسا عن كل نقص وآفة لا يوصف ) تعالى ( بصفات المحدثين ) بفتح الدال : أي من الأجسام والأعراض وغيرهما من صفات المخلوقين ( ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين ) أي من كل حركة وسكون ، بل هو تعالى قديم لم يزل ، أزلي ليس لوجوده أول ؛ بل هو أول كل شئ ، وقبل كل ميت وحى ( ولا يشبه ) جل وعز ( شيئا من خلقه ولا يشبهه شئ ) من خلقه والمشابهة تتحقق من الطرفين ، إذ العالم جواهر وأعراض ، واللّه تعالى خالقها كلها ، بل هو الحي القيوم الذي ليس كمثله شئ ، وكيف يشبه المخلوق خالقه والمقدور مقدره والمصور مصوره ، والأجسام والأعراض كلها من خلقه وصنعه ، فاستحال القضاء عليها بمماثلته ومشابهته . قال العلامة القارى في أماليه :وما التشبيه للرحمن وجها * فصن عن ذاك أصناف الأهالي( ولا تتضمنه ) أي لا تحتويه وفي نسخة ولا تضمه : أي لا تجمعه ( الأماكن ) جمع مكان ( والجهات ) أي ليست ذاته المقدسة في جهة من الجهات الست ولا في مكان من الأمكنة فإن الجهة وهي منتهى الإشارة ومقصد المتحرك بحركته من حيث حصوله ، فهي من ذوات الأوضاع المادية ، ومرجعها إلى نفس الأمكنة أو حدودها وأطرافها ، وهي تنقسم بحسب المشير إلى ستة إما فوق وإما أسفل وإما يمين أو شمال أو قدام أو خلف ، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين : أحدهما يعتمد على الآخر ويسمى رجلا ، والآخر يقابله ويسمى رأسا فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس : أي معنى الفوق ما حاذى رأسه من جهة السماء ، واسم الأسفل لما يلي جهة الأرض مما يحاذى رجله ، وخلق للانسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين الأقوى : أي اليمين ما يحاذى أقوى يديه غالبا ، والشمال لما يقابله ، وتسمى الجهة التي تلى اليمين يمينا والأخرى شمالا ، وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه ، فحدث له