في طلب العلم بالبحث والتّلقين والتّدريس واجتنب الكسل والملال وإلّا فأنت في خطر الضّلال ، والعياذ باللّه عزّ وجلّ .
( ثمّ جملة الأمر ) أنّك إذا نظرت في دلائل صنع اللّه عزّ وجلّ وأمعنت النّظر علمت أنّ لك ولنا إلها قادرا عالما حيّا مريدا سميعا بصيرا
شرح
( في طلب العلم بالبحث ) وهو في الأصل النبش في الأرض بعود ، والمراد به هنا التفتيش والتتبع في العلم باثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين شيئين بطريق الاستدلال ( والتلقين والتدريس ، واجتنب الكسل ) بفتحتين : أي التثاقل فإنه انحطاط عن الرتبة العلية ( والملال ) بفتح الميم : أي السآمة في طلب العلم ( وإلا ) أي إن لم تشمر فيه ولم تجتنبها ( فأنت في خطر الضلال والعياذ باللّه عز وجل ) من ذلك ؛ وبالجملة لا تكن عن العلوم قاعدا تاركا لها كسلا أو تكبرا عن تعلم العلم ممن دونك سنا أو أقل منك منزلة في الدنيا ، فإن ذلك من الأمور القاطعة عن الخير ، الموقعة في المهالك ، أعاذنا اللّه من ذلك ، بل جد واجتهد في الطلب فإن العلم لا ينال إلا بالتعلم ، فشمر له عن ساعد الجد والاجتهاد ، وقم له على قدم العناية والسداد ، فإن ذلك من سبيل الرشاد ؛ فقد روى أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « متعلم كسلان » يعنى لا يجتهد في طلب العلم « أفضل عند اللّه من سبعمائة عابد مجتهد » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « من طلب العلم وأدركه كان له كفلان من الأجر ، ومن طلب العلم ولم يدركه كان له كفل من الأجر » وقال عليه الصلاة والسّلام « من كانت همته في طلب العلم سمى في السماء نبيا ، وكتب اللّه له بكل شعرة في جسده ثواب نبي ، وكأنما أعتق بكل قدم رقبة ، وبنى اللّه له بكل عرق في جسده مدينة في الجنة ، ويدخل مع النبيين بغير حساب » . وقال بعضهم : لا يسود حاسد ، ولا ينال الخير راقد ، ولا يحصل العلوم قاعد ، ومن يئس من رحمة اللّه فهو جاحد ؛ فإن اللّه تعالى هو الوهاب ، يهب في الساعة الواحدة من الخيرات لمن يشاء ما لا يهبه لغيره في طول الزمان ، فنسأل اللّه تعالى أن يمن علينا بزيادة إحسانه وفضله ، وبعفوه وغفرانه ، وهو رؤوف رحيم ، جواد كريم ، كذا قاله العلامة محمد بن عمر البقرى رحمه اللّه تعالى ( ثم جملة الأمر ) أي ثم أقول لك : حاصل الكلام على الأمر المقصود والمطلوب بعد ما تقدم من المقالة ( أنك إذا نظرت ) أي أعملت فكرك ( في دلائل صنع اللّه عز وجل ) على وحدانيته ( وأمعنت النظر ) أي بالغت وأكثرت التأمل والتدبر ( علمت ) علما يقينا ( أن لك ولنا إلها ) أي معبودا بحق ( قادرا ) على كل شئ من الممكنات ( عالما ) بجميع الموجودات ، ومحيطا بكل المخلوقات على التفصيل ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ( حيا ) بلا روح كاملا مطلقا ( مريدا ) لأفعاله ، فلا موجود إلا هو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته ، فهو المبتدئ المعيد ، الفعال لما يريد ( سميعا بصيرا ) بلا جارحة وحدقة ولا أذن ، لا يعزب عن رؤيته