فتجارته بائرة وصفقته خاسرة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من طلب العلم ليفاخر به العلماء أو ليمارى به السّفهاء أو ليصرف به وجوه النّاس إليه أدخله اللّه النّار » .
قال أبو يزيد البسطامي رحمه اللّه : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشدّ علىّ من العلم وخطره . وإيّاك أن يزيّن لك الشّيطان فيقول لك : إذا كان قد ورد هذا الخطر العظيم في العلم فتركه أولى ، فلا تظنّنّ ذلك فلقد روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « أطلعت ليلة المعراج
شرح
( فتجارته ) أي تصرفه فيه ( بائرة ) أي هالكة لا خير فيها ، وهذا كناية عن عدم النفع بذلك العلم ( وصفقته ) أي بيعته ( خاسرة ) أي ناقصة ، لأن الدنيا في مقابلة ثواب الآخرة لا قيمة لها لحقارتها وخستها ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : من طلب العلم ) أي لا للّه بل ( ليفاخر ) به ( العلماء أو ليمارى ) أي يجادل ( به السفهاء ) الجهال جمع سفيه : قليل العقل ، والمراد به الجاهل كما تقرر ( أو ليصرف به ) أي يميل بالعلم ( وجوه الناس ) أي ساداتهم وشرفاءهم كما في المصباح . لكن المراد هنا كما قاله صاحب السراج العوام ، أو الطلبة بالإقبال ( إليه ) أي ليعظموه أو يعطوا المال به ( أدخله اللّه النار ) . الظاهر أن هذا إخبار بأنه استحق دخول النار ، ويحتمل أن يكون جملة دعائية ، كذا في سراج السالكين ، وهذا الحديث رواه الترمذي عن كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي ، ورواه ابن ماجة عن ابن عمر ( قال ) سلطان العارفين ( أبو يزيد ) طيفور بن عيسى ( البسطامي ) بالفتح نسبة إلى بسطام : بلد بطريق نيسابور ( رحمه اللّه ) تعالى رحمة واسعة ؛ وكان جده مجوسيا أسلم ، وكانوا ثلاثة إخوة : آدم وطيفور وعلى ، وكلهم كانوا زهادا عبادا ، وأبو يزيد أجدهم حالا . قيل مات سنة إحدى وستين ومائتين ، وقيل أربع وثلاثين ومائتين ، ذكره القشيري في الرسالة ( عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد على من العلم وخطره ) أي خطر متابعته بالأعمال لأنهما لا يتمان ولا يكملان للعبد إلا بمخالفة هواه واجتهاده في تقواه ، وفي ذلك من المشقة ما لا يخفى ، لا سيما العلم المتعلق بالقلب من الرياء والعجب والكبر وغيرها من الأخلاق الذميمة ، والورع والزهد والإخلاص وغيرها من الأخلاق الحميدة كما ذكره شيخ الإسلام زكريا . قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( وإياك ) أي احذر ( أن يزين لك الشيطان فيقول لك إذا كان ) أي الشأن ( قد ورد هذا الخطر العظيم في العلم ) أي من قول أبى يزيد المذكور ( فتركه ) أي العلم ( أولى ) أي أفضل من طلبه . قال رحمه اللّه تعالى ( فلا تظنن ذلك ) أي ترك العلم أولى ( فلقد روى عن ) سيدنا ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : أطلعت ) بضم الهمزة وكسر اللام : أي أطلعنى ربى ( ليلة المعراج )