تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥

[ التحذير من خطر الشيطان في طلب العلم ]

وأمّا شدّتها فابذل نفسك في الإخلاص في طلب العلم وليكن الطّلب طلب دراية لا طلب رواية . واعلم أنّ الخطر عظيم فمن طلب العلم ليصرف به وجوه النّاس إليه ويجالس به الأمراء ويباهى به النّظراء ويتصيّد به الحطام
شرح
والثاني في غايتها التي يصل إليها العبد . وقال آخر : من عرف اللّه تعالى صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شئ وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس باللّه . وقال غيره : من عرف اللّه قرت عينه باللّه وقرت به كل عين ، ومن لم يعرف اللّه تقطع قلبه على الدنيا حسرات ، ومن عرف اللّه لم تبق له رغبة فيما سواه . وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الذي دعى إلى الإيمان به فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها سبحانه والدار الآخرة والجنة والنار والملائكة والرسل كما قيل من بحر الوافر :إذا سكن الغدير على صفاء * فيشبه أن يحركه النسيم بدت فيه السماء بلا مراء * كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلي * يرى في صفوها اللّه العظيمكذا أفاده الزبيدي ( وأما شدتها ) أي عقبة العلم فهي كثرة الآفات والعوائق ومن ذلك عدم الاخلاص في طلبه وحينئذ ( ف ) اجتهد و ( ابذل ) أي أعط ( نفسك ) ظاهرا وباطنا ( في الإخلاص في طلب العلم وليكن الطلب طلب دراية ) أي معرفة ، بأن تنوى بتحصيله إزالة الجهل عن نفسك وعن سائر الجهال ، وإحياء الدين ، وإبقاء الاسلام بالعلم والدار الآخرة ، ورضا اللّه تعالى ، وتنوى بذلك الشكر على نعمة العقل ونعمة صحة البدن كما أفاده بعضهم ( لا طلب ) مجرد ( رواية ) أي الحمل والنقل من العلماء لتخبر الناس ، ولذا قيل : كن عالما ولا تكن وعاء للعلم ، وإن كانت نيتك بالطلب كذلك أي الدراية والهداية ، فان الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت ، وحيتان البحر تستغفر لك إذا سعيت وعلامة ذلك القصد أن يكون بحث العلم في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ ، وألا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك ، كذا في شرح البداية للنووي الجاوي . وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عون بن عبد اللّه بن مسعود قال : قال عبد اللّه بن مسعود : ليس العلم بكثرة الرواية لكن الخشية . ( واعلم أن الخطر ) أي الخوف في عقبة العلم ( عظيم فمن طلب العلم ليصرف ) أي يميل ويطلب ( به وجوه الناس ) أي شرفاءهم بالإقبال ( إليه ويجالس به ) أي بسبب العلم ( الأمراء ) جمع أمير مع طلب الإكرام عندهم ( ويباهى ) أي يفاخر ( به النظراء ) أي الأمثال جمع نظير وهو من يساويك في الدرجة كما أفاده بعضهم ( ويتصيد ) بفتح الياء والصاد مع الياء المشددة كما في القاموس : وهو في الأصل الخروج لطلب الصيد ، والمراد هنا أنه يطلب ( به ) أي بالعلم ( الحطام ) بالضمّ : أي متاع الدنيا