[ ما ورد عن سيدنا على كرم اللّه وجهه في معنى خشية اللّه تعالى ]
وعن علىّ كرّم اللّه وجهه أنّه قال : ما يسرّنى أن لو متّ طفلا وأدخلت الجنّة ولم أكبر فأعرف ربّى ، فإنّ أعلم النّاس باللّه أشدّهم خشية وأكثرهم عبادة وأحسنهم في اللّه سبحانه وتعالى نصيحة .
شرح
الدعوة إليه وحده بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يشهد بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقايسهم ومعقولاتهم ولم يزن بها ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة ، وإذا سمى به غيره فعلى الدعوى والاستعارة انتهى . وهذا المذكور هو العلم النافع . وأما الذي أكب الناس عليه وسموه علما فهو فضول لا يعنيهم بل يضرهم في الدين وذلك كعلم السحر والنجوم والرمل ، وبالجملة إن العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف هو العلم الذي يؤدى صاحبه إلى الخوف والخشية وملازمة التواضع والذلة والتخلق بأخلاق الإيمان وتوافق الأسرار والاعلان إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها وإيثار الآخرة عليها والموالاة في اللّه والمعاداة فيه والحرص على التفطن للأسباب الباعثة له على الاستقامة ولزوم الأدب بين يدي اللّه فيراعيها حفظا وطلبا ومعرفة الأسباب المضادة له عن ذلك فيرفضها رفضا وهربا إلى غير ذلك من الصفات العلية والمناحى السنية ، فبهذا كله يحصل له فوائد العلم وثمراته الدنيوية والأخروية ؛ فإذا خلا طالب العلم عنها أو عن بعضها ، فإن كان ما يطلبه علما حقيقيا كان حجة عليه ، وإن كان رسميا كان وبالا واصلا إليه والعياذ باللّه من ذلك ، كذا قاله العلامة الرندى ( و ) روى ( عن علىّ ) بن أبي طالب ( كرم اللّه وجهه ) أي ذاته فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل وخصّ الوجه لأنه أشرف الأعضاء كما هو ظاهر ؛ وإنما يقال في حقه كرم اللّه وجهه لأنه لم يسجد لصنم قط مع إسلامه صغيرا ، فلا يرد أبو بكر رضى اللّه عنه مع أنه لم يسجد لصنم أيضا . ويقال في حقه رضى اللّه عنه لا كرم اللّه وجهه لأنه أسلم كبيرا كما أفاده العلامة العنانى . وقيل إنما قيل فيه : أي في علىّ ذلك : أي كرم اللّه وجهه لأنه لم ير عورته قطّ ( أنه قال : ما يسرني ) بضم السين : أي ما يفرحنى ( أن لو مت طفلا ) أي صغيرا فاعل يسرني ( وأدخلت الجنة ) بضم الهمزة : أي أدخلنيها ربى ( ولم أكبر ) بالفتح من كبر في سنه كعلم . وأما كبر يكبر بالضم ففي القدر ( فأعرف ربى ) أي فيفوتنى معرفة ربى وذلك مما لا أحب أصلا ( فان أعلم الناس باللّه أشدهم خشية ) له ( وأكثرهم عبادة وأحسنهم في اللّه ) أي لأجله ( سبحانه وتعالى ) لا لغرض من الأغراض الفاسدة ( نصيحة ) أي إرادة الخير للعباد ، ويدل على هذا قوله تعالى« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أنا أعرفكم باللّه وأشدّكم للّه خشية » كما قاله أحمد بن عاصم . وقال آخر : من عرف اللّه ضاقت عليه الأرض بسعتها . وقال غيره : من عرف اللّه اتسع عليه كل ضيق ، ولا تنافى بين هذين الكلامين فإنه يضيق عليه كل مكان لا تساعه فيه على شأنه ومطلوبه ويتسع له ما ضاق على غيره لأنه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه ، فقلبه غير محبوس فيه . والأول بداية المعرفة