[ إذا كان في كل قطر داع من دعاة أهل السنة يحل الشبه ويرد على أهل البدع سقط الفرض عمن سواه ]
فإنّها داء محض لا دواء له ، فاحترز منه جهدك فإنّ من ارتداه لم يفلح إلّا أن يتغمّده اللّه تعالى برحمته ولطفه . ثمّ اعلم أنّه إذا كان في كلّ قطر داع من دعاة أهل السّنّة يحلّ الشّبه ويردّ على أهل البدع ويستقلّ بهذا العلم ويصفّى قلوب أهل الحقّ عن وساوس المبتدعة ،
شرح
أماريه مراء : جادلته اه . فعلم من هذا أن الجدال والمراء مترادفان فعطف أحدهما على الآخر من عطف المترادفين ( فإنها ) أي المماراة والمجادلة ( داء محض ) أي خالص ( لا دواء له فاحترز منه ) أي اجتنب من الداء اجتناب السم القاتل ( جهدك ) أي في طاقتك ، لأنه الذي رد الفقهاء كلهم وصرفهم بسببه إلى طلب المنافسة والإعجاب والكبر والمباهاة وغير ذلك مما بينه المصنف رحمه اللّه تعالى من غوائلها وآفاتها في كتاب : ذم الغرور من إحيائه . وفي الحديث في معنى قوله تعالى :« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ »هم أهل الجدل الذين عناهم اللّه تعالى بقوله« فَاحْذَرْهُمْ »وفي الحديث « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل » ثم قرأ« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ »قال المناوي : يعنى من ترك سبيل الهدى وركب سنن الضلال لم يمش حاله إلا بالجدل : أي الخصومة بالباطل . وقال القاضي في تفسيره : المراد التعصب لتخريج المذاهب الفاسدة والعقائد الزائغة لا المناظرة لإظهار الحق واستكشاف الحال واستعلام ما ليس معلوما عنده فإنه فرض كفاية خارج عما نطق به الحديث ( فان من ارتداه ) أي لبسه رداء ( لم يفلح ) أي لم يظفر بمقصوده ومثله من يحاول حية نظرا للين مجسها وحسن شكلها فيجعلها طوقا في عنقه فتلدغه كما قاله الزبيدي ( إلا أن يتغمده اللّه تعالى ) أي يستره ويعمه ، والمراد منه لازمه وهو التعميم ( برحمته ) أي بإحسانه ( ولطفه ) أي رأفته ورفقه . قال الخطيب الشربيني : واللطف الرأفة ، والرفق وهو من اللّه تعالى التوفيق والعصمة . قال الجوهري :
الرأفة أشد الرحمة ، والرفق ضد العنف ( ثم اعلم ) أيها المخاطب ، وهي كلمة يؤتى بها للاعتناء بما بعدها وإنما قال رحمه اللّه تعالى اعلم ولم يقل اعرف اقتداء بقوله تعالى« فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ »( أنه ) مفعول اعلم والضمير للشأن وهو ما فسر بجملة سواء كانت اسمية أو فعلية . قال في الكافية :ومضمر الشأن ضميرا فسرا * بجملة كأنه زيد سرى( إذا كان في كل قطر ) أي ناحية وجانب فهو بضم القاف والجمع أقطار ( داع ) أي مناد ومرشد إلى طريق الحق في أهل تلك الناحية ( من دعاة أهل السنة يحل ) بضم الحاء وبابه رد كما في المختار : أي يفتح ويفك ( الشبه ) بفتحتين جمع شبهة ( ويرد ) أي يدفع ( على أهل البدع ) والأهواء ( ويستقل ) أي يتحمل وينفرد ( بهذا العلم ) أي علم الكلام الذي ردهم به ( ويصفى ) ثم الياء : أي يخلص هذا الداعي ( قلوب أهل الحق ) بسبب ردهم ( عن وساوس المبتدعة )