والزّوال ودلالات الحدوث منفردا بالقدم عن كلّ محدث
شرح
والعجز والخرس والصمم والعمى وأمثالها كما قاله العلامة التونسي ، بل لا يزال في نعوت جلاله وأوصاف كماله منزها عن الخلل ( و ) مبرأ عن ( الزوال ) بل في زيادة كمال مستغنيا عن زيادة الإستكمال ، إذ كل كمال فإنما يفاض منه بدءا وإليه يعود ( و ) مقدسا عن ( دلالات الحدوث ) من الجهات الست وغيرها . وقال إمام الحرمين في لمع الأدلة : والدليل على تقدسه تعالى عن الاختصاص بجهة والاتصاف بالمتحاذيات ، وأنه لا تحده الأقطار ولا تكتنفه الأقدار ويجل عن قبول الحد والمقدار ، كل مختص بجهة شاغل لها ، وكل متحيز قابل لملاقاة الجواهر ومفارقتها وكل ما يقبل الاجتماع والافتراق لا يخلو عنهما وما لا يخلو من الافتراق والاجتماع حادث كالجواهر ، وإذا ثبت تقدس الباري عن التحيز والاختصاص بالجهات فيترتب على ذلك تعاليه عن الاختصاص بمكان وملاقاة أجرام وأجسام ، فقد بان لك تنزيه ذاته سبحانه عن كل ما لا يليق بجلاله وقدوسيته ( منفردا بالقدم عن كل محدث ) أي مخرج من العدم إلى الوجود ، والمراد القدم الذاتي بمعنى أنه تعالي قديم بذاته لا لعلة قديمة اقتضت وجوده تعالي عن ذلك ، وليس المراد بالقدم الذاتي ما قابل القدم بالغير كما يقول الفلسفي لقيام البرهان القاطع على أنه لا شيء قديم بالغير وأن كل ما سوى اللّه وصفاته حادث ، فمعنى القدم سلب الأولية : أي أنه تعالى لا أول لوجوده إذ لو لم يكن قديما لكان حادثا تعالى عن ذلك ، وكذا قاله العلامة أحمد الدردير ، فإن قيل القول بالقدم يلزمه منه وجود أزمنة لا نهاية لها إذ لا يعقل استمرار وجود ، وبقاؤه إلا بزمان وأنتم لا تقولون به قلنا الزمان يطلق باعتبارات ثلاث وكلها منتفية بالنسبة إلى الباري تعالى . الأول الإطلاق العرفي وهو مرور الليالي والأيام ، وذلك تابع لحركات الأفلاك ، وقد أقمنا الدليل على حدوث العالم ، فقد كان اللّه ولا زمان بهذا الاعتبار ، وكان اللّه ولا شيء معه . الثاني ما اصطلح عليه المتكلمون ، وهو مقارنة متجدد لمتجدد توقيتا للمجهول بالمعلوم وذلك يختلف بالنسبة إلى السميع فتقول : ولد النبي صلى اللّه عليه وسلم عام الفيل فتجعله وقتا لمولده صلى اللّه عليه وسلم وزمانا له لمن يعلم عام الفيل ولا يعلم مولده صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتقول عام الفيل مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتوقته بمولده صلى اللّه عليه وسلم لمن يعلمه ولا يعلم عام الفيل وهو أمر فرضى ، وذلك لا يتحقق في الأزل أو لا يتجدد في الأزل ، ويطلق باصطلاح الحكماء علي أمر حركة الفلك وهو تابع لحركات الأفلاك فلا يكون أزليا فبأي معنى فسر الزمان لا يكون أزليا : كذا قاله الزبيدي نقلا عن ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين .
وأما دليل قدمه تعالى عن المحدث فنقول قال تعالى« لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ »وقال تعالى« هُوَ الْأَوَّلُ »وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أنت الأول فليس قبلك شئ ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس دونك شئ » الحديث أخرجه أبو داود والترمذي ، فلو لم يكن قديما لكان حادثا ، ولو كان حادثا لكان قبله شئ ، وأما الصوفي فإنه يقول : كل قضية بديهية فلوازمها