تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

[ الكلام على تنزيه صفاته عن النقص وأنه تعالى منفرد بالقدم ]

لا شريك له ، متّصفا بصفات الكمال ، منزّها عن النّقصان
شرح
وصف اللّه تعالى به ، فمعناه أنه لا يجرى عليه التجزى ولا التكثر . وقال مصنفنا أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى : الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يتثنى : أما الذي لا يتجزأ فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم فيقال إنه واحد بمعنى أنه لا جزء له ، وكذلك النقطة لا جزء لها واللّه تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته ، وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وان كانت قابلة للانقسام بالفعل بتجزئه في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن أن يكون لها نظير ، فإن كان في الوجود موجود ينفرد ويتوحد بخصوص وجوده تفردا أو وحدة ( لا شريك له ) أي لا يتصور أن يشاركه غيره فيه أصلا فهو الواحد المطلق أزلا وأبدا ، والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه ، وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن يظهر في وقت آخر مثله ، وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع فلا وحدة على الاطلاق إلا للّه عزّ وجلّ . وذكر الشيخ أبو منصور البغدادي في الفرق بين الواحد والأحد أقوالا منها قد تقدم ذكرها آنفا ، ومنها ما لم يذكر ، فمن ذلك قال بعض المتكلمين إنه واحد في ذاته أحد في صفاته . وقال آخرون : إنه واحد بلا كيف ، أحد بلا حيث . وقال آخرون : وصفه بأنه الواحد يدل على أوليته وأزليته ، لأن الواحد في العدد أول الأعداد ، والأحد في ذاته إشارة إلى توحيده في صفاته . وقال آخرون : إنه واحد بلا شريك في الصنع لانفراده بالخلق والاختراع ، ولذلك قال اللّه تعالى« أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » .أحد بنفي الابتداء والانتهاء والتشبيه عنه لقوله تعالى« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ »فلما نفى الشرك من الصنع والاختراع وصف نفسه بأنه واحد ، ولما نفى عن نفسه الابتداء والانتهاء ونفى التشبيه وصف نفسه بأنه أحد ( متصفا بصفات الكمال ) أي العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والتكوين إلى ما لا يتناهى كما قاله بعض المحققين نقلا عن التونسي ( منزها عن النقصان ) أي مبرأ عما لا يليق بحاله وقدسه من كل عيب ونقص ومن كل صفة لا كمال فيها ولا نقصان على قول ، ومقدسا عن أن يحويه مكان فيشار إليه أو تضمه جهة ، وإنما اختصت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء لأنها جعلت قبلة الأدعية كما أن الكعبة جعلت قبلة للمصلى يستقبلها في الصلاة ولا يقال إن اللّه تعالى في جهة الكعبة كما تقدس عن أن يحده زمان لأن المحدد محتو على أجزاء الماهية ، واللّه تعالى منزه عن ذلك ، بل كان تعالى قبل أن خلق الزمان والمكان والعرش والكرسي والسماوات والأرضين وهو الآن على ما عليه من صفة الأزلية كما كان قبل خلقه الزمان والمكان وغيرهما وبائنا عن خلقه بصفاته العلية ليس في ذاته سواه جل وعز ولا في سواه ذاته الشريفة ، ومقدسا عن التغير من حال إلي حال والانتقال من مكان إلى مكان ، وكذا الاتصال والانفصال ، فإن كلا من ذلك من صفات المخلوقين ، وذلك النقصان كالجهل
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 104 | السيد احمد بن زيني دحلان