من اقتصر على العبادات التي ذكرناها وقصر نظره عنها يغلب عليه الجمود ، وتقل فطانته بالموضوعات الشرعية في القبلة والوقت ونحوهما ، ويتمكن من خديعته من يريد الخديعة له في دينه من شياطين الأنس والجن ، وهذا خلاف مراد الشارع ونقيض غرضه ، بخلاف من يمارس الأمور ببيع وشراء ويتعلم الآداب ، ومحاورة الخطاب ، والنكت المستحسنة للسؤال والجواب ويضيف ذلك إلى عباداته وأوراده ، وعلمه ، وتعليمه هو الرجل كل الرجل ، نعم الرجل والوجدان والأختبار لذلك أعظم شاهد .
وكلما سرحت نظرك في تعلم شئ من الصناعات المحسوسة فتح لك أبوابا من العلم في المعقولات ، والأصل في ذلك أن اللّه سبحانه قد ربط المحسوسات بالمعقولات ، والأمور الأخروية بالأمور الدنيوية ، فمن أراد الأمور الأخروية بغير الأمور الدنيوية لم يتأت له ذلك ، فقد جعل اللّه الأمور الأخروية لا تتم إلا بالدنيوية وجعل الدنيا المقصود بها التوصل إلى الآخرة محسوبة من الآخرة ، ولا تدخل في مذام الدنيا ، ولذا ورد . في الحديث « انه ملعون من ترك آخرته لدنياه ، ملعون ملعون من ترك دنياه لآخرته » انتهى .
معنى الحديث فإن الدنيا التي يلعن من تركها للآخرة وهي التي يتوصل بها إلى الآخرة ، ولا تتم أمور الآخرة إلا بها وهي في الحقيقة من الآخرة ، وتركها ترك الآخرة ، والدنيا المذمومة
الطريق إلى الله — صفحة 64
مساهمون: الشيخ حسين البحراني
ص٦٤