تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
شرح
نفسك واحذر مصرعك بكرب الموت وشدته ، إنك لا تدري بما يأتيك به الموت بخير أو بشر ليكن الموت منك على بال ، أدب نفسك بتواتر نعم اللّه عليك وأنت غير مستحق لها ، ثم يقبل على أصحابه فيقول : الموت أول رواد عليك من الآخرة بخير يستر أو بشر يسوء ثم يبكي . قال : وحدثنا صالح بن زياد وعبد اللّه بن الهيثم قال : حدثنا السهمي قال : حدثنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال : يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك إنك لم تزل في هدم عمرك منذ خرجت من بطن أمك ، إنما أنت عدد فإذا ذهب يوم فقد ذهب بعضك ، يوكل بك ملكان كريمان يكتبان عليك ما تجني على نفسك ، فإذا مت طوبت صحيفتك ثم قلدتها في عنقك ، ثم تلاوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً[ الإسراء : 13 ، 14 ] لقد عدل عليك ثم جعلك حسيب نفسك ، وبهذا السند عن الحسن قال : يا ابن آدم لا يلهيك أهلك الذين أنت ضيف فيهم عن أهل لا تزايلهم ، ولا تلهك مساكن إنما تمر بها عن مساكن أنت خالد فيها ، يا ابن آدم لو رأيت رجلا نزل منزلا في سفر لا يقيم فيه تجمع فيه المقام ، ألم تكن في الناس ضحكة ؟ يا ابن آدم لكل أمر عدة وعتاد وعدة الآخرة وعتادها ثلاث : صقل القلب وصحة البدن والسعة في الدنيا ، فإذا فعل اللّه بك ذاك فقد أعذر إليك ولا معذرة لك إن لم تحس ، يا ابن آدم إنما تدخل القبر وحدك ليس عليك من الناس شيء ولا عليهم منك شيء ما أقل جدالهم عنك في ذلك الموطن فقد نفر واللّه يا أحمق منك أقرباؤك وأحباؤك كل امرئ منهم يقول : نفسي نفسي يا مسكين إنما يكرمك اليوم منهم من أكرمك لهذه الروح التي في جسدك ، فلو قد انتزع منك نبذوك عنهم ، وإن تركت بينهم فروا من البيت الذي أنت فيه . قال : وحدثنا عبد اللّه بن الهيثم عن سعيد بن عامر عن عبد اللّه بن المبارك قال : قال عبد الرحمن ابن يزيد بن معاوية لأخ له : يا أخي أترضى حالك هذه للموت ؟ قال : لا . قال : فهل أنت مجمع على الانتقال إلى حال ترضاها للموت ؟ قال : ما دعتني نفسي إلى ذلك بعد . قال : فهل بعد الموت دار فيها معتمل ؟ قال : لا . قال : فهل تأمن الموت أن يأتيك على حالك هذه ؟ قال : لا . قال : ما رأيت مثل هذه الحال رضي بها عاقل . قال : وحدثنا عبد اللّه بن الهيثم ، حدثنا العتبي عن أبيه قال : عاد الحسن عليلا فوجده قد أفرق فقال : يا أيها الرجل إن اللّه قد ذكرك فاذكره وقد أقالك فاشكره ، ثم قال : ضربة سوط من ملك كريم فأما فرس جواد وأما حمار عثور ، وبهذا السند قال الحسن : ضرب اللّه ابن آدم بالأمراض وضربه بالحاجة وبالعجز وجعل مصيره إلى الموت ، وأنه مع ذلك لو تاب . وبهذا السند قال : كتب الحسن إلى فرقد أما بعد : فإني أوصيك بتقوى اللّه والعمل بما علمك اللّه والاستعداد لما لا حيلة لأحد في دفعه ولا ينفع الندم عند نزوله ، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين وانتبه من رقدة الموتى وتشمر للسبق ، فإن الدنيا ميدان مسابقة وأن لي ولك من اللّه مقاما ليسألني فيه ، وإياك عن الحقير الدقيق والجليل الجافي ولا آمن أن يكون فيما يسألني وإياك فيه عن وساوس الصدور ولحظ العيون وإصغاء الأسماع وما أعجز عن وصفه .