تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أبادر خروج نفسي . قال عمر رضي اللّه عنه : « التؤدة في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة . وقال المنذر : سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه ، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر ؛ ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر ! حتى كرر ذلك ستين مرة اسمعه ولا يراني . وكان الحسن يقول في موعظته : المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى اللّه عز وجل ، رحم اللّه امرءا ، نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه ! ثم قرأ هذه الآية :
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
[ مريم : 84 ] يعني الأنفاس ، آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد فراق أهلك ، آخر العدد دخولك
شرح
( ومر ) أبو سليمان ( داود ) بن نصير ( الطائي ) رحمه اللّه تعالى ، ( فسأله رجل عن حديث فقال : دعني إنما أبادر خروج نفسي ) رواه أبو نعيم في الحلية فقال : حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، حدثنا عبد اللّه بن سلمة بن سعيد قال : لقي داود الطائي رجل فسأله عن حديث فقال : دعني فإني أبادر خروج نفسي . ( وقال عمر رضي اللّه عنه : التؤدة في كل شيء خير إلا في أعمال الآخرة ) ، وهذا قد روي مرفوعا من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ « إلا في عمل الآخرة » . رواه الحاكم والبيهقي من رواية مصعب بن سعد عن أبيه ، وروى ابن سعد من طريق سليمان بن أبي حثمة عن أمه الشفاء بنت عبد اللّه قالت : كان عمر إذا مشى أسرع ، وهذا محمود لمن يخشى من البطء في السير تفويت أمر ديني ونحوه ، وعليه يحمل ما تقدم من قوله : وهذا كما في شرب السويق وتقديمه على الفتيت فلا يعارض ما ورد : سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن . ( وقال المنذر ) بن ثعلبة العبدي القطعي ، ويقال الطائي أبو النضر البصري ثقة ، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة : ( سمعت مالك بن دينار ) البصري العابد الثقة ( يقول لنفسه : ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر ، ويحك بادري قبل أن يأتيك الأمر ، حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه ولا يراني ) . رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل . ( وكان الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى ( يقول في موعظته : المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست عنكم انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى اللّه عز وجل ، رحم اللّه امرءا نظر لنفسه وبكى على ذنوبه ! ثم قرأ هذه الآيةإِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّايعني الأنفاس ) أي نعد لهم الأنفاس عدا ( آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد فراق أهلك ، آخر العدد دخولك في قبرك ) . رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل . ورواه صاحب كتاب المتفجعين من طريق عبد الواحد بن زيد قال : سمعت الحسن يقول : يا ابن آدم لقد أعذر اللّه إليك أن عمرك أربعين سنة تركض وترتع ، فبادر المهلة قبل حلول الأجل ونزول الموت ، وكأنك بك قد لحقت بمن مضى من إخوانك فندمت على ما فرطت فيه أيام حياتك ثم يبكي ويقول : المبادرة رحمكم اللّه المبادرة فإنما هي الأنفاس فساقه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71 | مرتضى الزبيدي