تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
وأكبر تفضيلا . وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا ، فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر ، فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة اللّه تعالى فقد أمرك اللّه بالمسابقة والمنافسة فيها فقال تعالى :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ الحديد : 21 ] ، وقال تعالى :
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
[ المطففين : 26 ] ، والعجب انه لو تقدم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم أو بعلو بناء ثقل عليك ذلك وضاق به صدرك وتنغص بسبب الحسد عيشك ، وأحسن أحوالك أن تستقر في الجنة وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا توازيها الدنيا بحذافيرها ، فقد قال أبو سعيد الخدري : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب الغائر في
شرح
وأكبر تفضيلا ) كما قال تعالى في كتابه العزيز . انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا أي التفاوت في الآخرة أكبر ، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها . وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض أي في الدنيا وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وأن للمؤمنين في الجنة منازل ، وأن لهم فضائل بأعمالهم ، وذكر لنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها » . وروى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : إن أهل الجنة بعضهم فوق بعض درجات الأعلى يرى فضله على من هو أسفل منه ، والأسفل لا يرى أن فوقه أحدا . وروى الطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه من حديث سلمان : ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع إلا وضعه اللّه في الآخرة درجة أكبر منها وأطول ، ثم قرأ هذه الآية . وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عمر قال : لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند اللّه تعالى وإن كان عليه كريما . ( وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة المحمودة تفاوتا ظاهرا ، فكذلك فيما يجازون به ) في الآخرة ( تفاوت ظاهر ، فإن كنت تطلب أعلى الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة اللّه تعالى ، فقد أمرك اللّه بالمسابقة والمنافسة فيها فقال :سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ( وقال تعالى :وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) أي ليرغب فيه الراغبون على وجه المباراة . ( والعجب أنه لو يقدم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم أو بعلو بناء ثقل عليك ذلك وضاق به صدرك وتنغص بسبب الحسد عيشك ، وأحسن أحوالك أن تستقر في الجنة وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا توازيها الدنيا بحذافيرها ) أي بجملتها ، ( فقد قال أبو سعيد الخدري ) رضي اللّه عنه : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أهل الجنة ليتراءون ) الترائي تفاعل من الرؤية وهو على وجوه . يقال : تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي الشيء ظهر لي حتى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 574 | مرتضى الزبيدي