الفجائع بمن نزل بفنائها ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد أذن اللّه في خرابها ويتهنأ بعيش دونها ؟ واللّه لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها ! وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته ! كيف وأهلها ملوك آمنون وفي أنواع السرور ممتعون لهم فيها كل ما يشتهون ، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون وإلى وجه اللّه الكريم ينظرون ، وينالون بالنظر من اللّه ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون ، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون . قال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ينادي مناديا أهل الجنة إن لكم أن
شرح
نزل بفنائها ) أي بساحتها ، ( ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها ) لا منهم منها ، ( كيف يأنس بدار قد أذن اللّه في خرابها ) وزوالها ، ( و ) كيف ( يتهنأ بعيش دونها ، واللّه لو لم يكن فيها ) أي في الدار الأخرى ( إلا سلامة الأبدان ) من العلل ( مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها ، وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته ) . وإن كانت النفوس تكل عن حمل أعباء المصائب وتعيا وتتقاعس عن إجابة دعاة الموت بل تغالط به حتى صار عندها نسيا لكونها مفطورة على كراهة المؤلمات والنفرة عن مفارقة المألوفات ، إلا أنها إذا انكشفت لها عواقب الأمور المريرة من النتائج النفيسة والخيور الكثيرة أقدمت على اخطار تلك الأمور وتوصلت بكآبة الدواء على ما في الشفاء من السرور . ( كيف وأهلها ملوك آمنون ) لأن الهيئات المذكورة والحالات المسطورة إنما تتيسر للملوك ويشير إليه قوله تعالى :رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً[ الإنسان : 20 ] ( وفي أنواع السرور ممتعون لهم ، فيها كل ما يشتهون ، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون ، وإلى وجه اللّه الكريم ينظرون ، وينالون بالنظر من اللّه ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ، ولا يلتفتون وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون ) .
ومن جملة تلك النعم على الإجمال تسليم الملائكة عليهم في كل حين وملاقاة أهلهم وهدايتهم إلى قصورهم وما تشتمل عليه مساكنهم من الطرف والتحف وارتفاعها واتساعها وغزارة أنهارها والتفات أشجارها وتنوع ثمارها ، وملابسهم وحليهم وحللهم وأوانيهم وفرشهم وسلامة عيشهم من النقصان واجتماعهم مع أحبابهم في أنعم الحالات وأكمل المسرات ، وجلوسهم على منابر النور ، ومرافقتهم للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وتنعمهم بمشاهدتهم ومجالساتهم وزياراتهم لربهم سبحانه وتعالى ، وحضورهم عنده في مقعد صدق وتشنف أسماعهم بمخاطباته تعالى لهم وإضافتهم إليه بالعندية وكمال طمأنينتهم برضاه عنهم واستقرار البسط التام بدوام رضاه سبحانه ، وغير ذلك من النعم والكرامات مما لا يدخل تحت حصر النقول ولا إحصاء العقول .
( قال أبو هريرة ) رضي اللّه عنه : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ينادي مناد يوم القيامة : إن