فانظر الآن في عمق الهاوية فإنه لا حد لعمقها كما لا حد لعمق شهوات الدنيا ، فكما لا ينتهي أرب من الدنيا إلا إلى أرب أعظم منه ، فلا تنتهي هاوية من جهنم إلا إلى هاوية أعمق منها . قال أبو هريرة : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فسمعنا وجبة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أتدون ما هذا ؟ » قلنا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما الآن انتهى إلى قعرها » .
انظر إلى تفاوت الدركات فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ، فكما ان إكباب الناس على الدنيا يتفاوت فمن منهمك مستكثر كالغريق فيها ، ومن خائض فيها
شرح
الشمس وصقرته إذا لوّحته ، وجعل سقر علما لجهنم ، ولما كان السقر يقتضي التلويح في الأصل نبه بقولهوَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ[ المدثر : 27 - 29 ] إن ذلك مخالف لما تعرفه من أحوال السقر في الشاهد ، واللظى : النار . وقيل : لهب النار الخالص عن الدخان .
ولظى : معرفة اسم جهنم ، ولظيت النار بالكسر لظى والتظت التهبت . والحطمة : النار التي من شأنها أنهم تحطم كل ما يطرح فيها ، والسعير : فعيل بمعنى مفعول ، وقد سعر النار وأسعرها وسعرها ألهبها . والجحيم : من الجحمة وهي شدة تأجج النار ، وكل نار بعضها فوقها فوق بعض جحيم وجحمة وجحمها أوقدها . والجاحم الجمر الشديد الاشتعال والمكان الشديد الحر . والهاوية : من هوى إذا سقط على رأسه سميت نار الآخرة لأنهم يتساقطون فيها منكوسين .
( فانظر الآن في عمق الهاوية فإنه لا حدّ لعمقها كما لا حدّ لعمق شهوات الدنيا ، كما لا ينتهي أرب من الدنيا إلا إلى أرب أعظم منه ، فلا تنتهي هاوية من جهنم إلا إلى هاوية أعمق منها ) . وذكر صاحب القاموس في البصائر : إن في بعض الآثار ان دركات النار سبعة :
هاوية للفراعنة ، ولظى لعبدة الأوثان ، وسقر للمجوس ، والجحيم لليهود ، والحطمة للنصارى ، والسعير للصابئين ، وجهنم لعصاة المؤمنين . قال : وورد الجحيم في القرآن على وجهين : أحدهما : بمعنى النار التي أوقدها نمروذ اللعين للخليل عليه السلام :قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ[ الصافات : 97 ] الثاني : بمعنى النار التي أعدها اللّه للمجرمين والكفار .
( قال أبو هريرة ) رضي اللّه عنه : ( كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فسمعنا وجبة ) أي سقطة ومادة وجب تدل على سقوط الشيء ووقوعه ، ( فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أتدرون ما هذا ؟ » قلنا : اللّه ورسوله أعلم . قال « هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما الآن حين انتهى إلى قعرها » ) قال العراقي : رواه مسلم .
( ثم انظر إلى تفاوت الدركات ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ، فكما أن إكباب الناس على الدنيا يتفاوت ) تفاوتا مختلفا ، ( فمن منهمك ) عليها ( مستكثر ) منها ( كالغريق فيها ) لا يستفيق من انهماكه ، ( ومن خائض فيها إلى حدّ محدود ) أي معلوم ،