المعاصي ، ينادون من أكنافها ويصيحون في نواحيها وأطرافها : يا مالك قد حق علينا الوعيد ، يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا الجلود ، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود ، فتقول الزبانية : هيهات لات حين أمان ! ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسأوا فيها ولا تكلمون ، ولا أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرطوا في جنب اللّه يتأسفون ولا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف ، بل يكبّون على وجوههم مغلولين ، النار من فوقهم والنار من تحتهم والنار عن أيمانهم والنار عن شمائلهم ، فهم غرقى في النار طعامهم نار وشرابهم نار ولباسهم نار ومهادهم نار ، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران وضرب المقامع وثقل السلاسل ، فهم يتجلجلون في مضايقها ويتخطمون في دركاتها ويضطربون بين غواشيها ، تغلي بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل ، ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد تهشم بها جباههم
شرح
النواصي واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ، ينادون من أكنافها ) أي جوانبها ( ويصيحون في نواحيها وأطرافها يا مالك ) وهو رئيس خزنة النار : ( قد حق علينا الوعيد ) أي ثبت ووجب ، ( يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا جلودنا ، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود ) إلى ما كنا فيه ، ( وتقول الزبانية : هيهات لات حين أمان ! ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسأوا فيها ولا تكلمون ، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون ، فعند ذلك يقنطون ) ولا ينطقون ، ( وعلى ما فرطوا في جنب اللّه يتأسفون ، ولا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف بل يكبون على وجوههم ) ومناخرهم ( مغلولين ) مقيدين . ( النار من فوقهم والنار من تحتهم والنار عن إيمانهم والنار عن شمائلهم ) قد أحاطت بجوانبهم الأربع ، ( فهم غرقي في بحر النار ، طعامهم نار وشرابهم نار ولباسهم نار ومهادهم نار ، فهم بين مقطعات النيران ) جميع مقطعة وهي الجبب الضيقة الاكمام ( وسرابيل القطران ) جميع سربال بالكسر قميص أو درع والقطران ما يتحلب من شجر الابهل عند طبخه ويطلى به الإبل وغيرها ، وفيه لغتان : فتح القاف وكسر الطاء ، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى :سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ[ إبراهيم : 50 ] والثانية كسر القاف وسكون الطاء .
( وضرب المقامع وثقل السلاسل فهم يتجلجلون ) أي يضطربون ( في مضايقها يتحطمون ) أي يتكسرون ( في دركاتها ) أو يدفعون ، ( ويضطربون بين غواشيها ) أي أطرافها ( تغلي بهم النار كغلي القدور ) على النيران ، ( ويهتفون بالويل والعويل ، ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ) أي يذوب به ( ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد تهشم بها جباههم ) أي تكسرها ( فيتفجر الصديد من أفواههم ، وتنقطع من العطش