للنجاة منه ، وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها ، إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب ، وأطلت عليهم نار ذات لهب ، وسمعوا لها زفيرا وجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب ، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب وجثت الأمم على الركب حتى أشفق البرآء من سوء المنقلب . وخرج المنادي من الزبانية : قائلا أين فلان بن فلان المسوف نفسه في الدنيا بطول الأمل المضيع عمره في سوء العمل ؟ فيبادرونه بمقامع من حديد ويستقبلونه بعظائم التهديد ويسوقونه إلى العذاب الشديد ، وينكسونه في قعر الجحيم ويقولون له :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 29 ] ، فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك مبهمة المهالك ، يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير ، شرابهم فيها الحميم ومستقرهم الجحيم ، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم ، أمانيهم فيها الهلاك ومالهم منها فكاك ، قد شدت أقدامهم إلى النواصي واسودت وجوههم من ظلمة
شرح
وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها بشفيع شفعائها إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات الشعب ) الثلاثة في مقابلة الحس والخيال والوهم ، ( وأظلت عليهم نار ذات لهب ) أي التهاب ، وتلك الظلمات من دخان جهنم وانما تتشعب لعظمها ، ( وسمعوا لها زفيرا ) أي ترديد نفس ( وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب ) كما قال تعالى :سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً[ الفرقان : 12 ] وقال تعالى :تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ[ الملك : 8 ] ( فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب ) أي الهلاك ( وجثت الأمم على الركب ) كما قال تعالى :وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً[ الجاثية : 28 ] ( حتى أشفق ) أي خاف ( البرآء ) جمع بريء وهو من لم يذنب ( من سوء المنقلب ، وخرج المنادي من الزبانية ) وهم خزنة النار ( قائلا : أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل ، المضيع عمره في سوء العمل ؟ فيبادرونه بمقامع ) جمع المقمعة بكسر الميم وهي خشبة يضرب بها الإنسان على رأسه ليذل ويهان ، ثم بيّن ان تلك المقامع ( من حديد ) وهو أقوى من مقامع الخشب ، ( ويستقبلونه بعظائم التهديد ) أي التخويف والزجر ، ( ويسوقونه ) ذليلا مهانا مجرجرا ( إلى العذاب الشديد ، وينكسونه في قعر الجحيم ) أي يجعلون رأسه في القعر ورجليه إلى فوق ، ( ويقولون له ) من باب التهكم : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُفاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء ) أي الجوانب ( مظلمة المسالك مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير ويؤبد فيها السعير ، شرابهم فيها الحميم ) أي الماء الحار ، ( ومستقرهم الجحيم ، الزبانية تقمعهم ) أي تضربهم بالمقامع ( والهاوية تجمعهم ) لأنها أمهم ، ( أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك ) أي خلاص ، ( قد شدت أقدامهم ) مجموعة ( إلى