شرح
أنس فأوحى اللّه إلى جبريل أن اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك ، وعلى هذا فالمعنى يقول على لسان جبريل ، والظاهر أنه صلّى اللّه عليه وسلم يلهم التحميد قبل سجوده وبعده ، وفيه : ويكون في كل مكان ما يليق به فإنه ورد في رواية : فأقوم بين يديه فيلهمني بمحامد لا أقدر عليها ثم أخر ساجدا . وفي رواية فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني . وفي رواية : فأقع ساجدا لربي ثم يفتح اللّه علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ، ثم يقال : ارفع رأسك يا محمد . وعند البخاري من حديث أنس : ثم اشفع فيحد لي حدا . قال الطيبي : أي يبين لي كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول : شفعتك فيمن أخل بالجماعة ، ثم فيمن أخلّ بالصلاة ، ثم فيمن شرب الخمر ، ثم فيمن زنى هكذا وهكذا على هذا الأسلوب ، والذي يدل عليه سياق الأخبار أن المراد بها تفصيل مراتب المخرجين في الأعمال الصالحة . وفي رواية ثابت عند أحمد فأقول : أي رب أمتي أمتي فيقول أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من حنطة ثم شعيرة ، وزاد في حديث سلمان ثم حبة خردل ، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير . قال عياض قيل معنى الخير اليقين ، وأما قوله في رواية أنس عند البخاري :
فأخرجهم من النار ، فقال الداودي : كان راوي هذا الحديث ركب شيئا على غير أصله ، وذلك أن أول الحديث في الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار . يعني : وذلك إنما يكون بعد التحوّل من الموقف والمرور على الصراط وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار ، ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الإخراج وهو إشكال قوي . وقد أجاب عنه النووي تبعا لعياض بأنه قد وقع في حديث حذيفة وأبي هريرة فيأتون محمدا ويؤذن له في الشفاعة وترسل معه الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط أي يقفان في ناحيته ، فبهذا ينفصل الكلام لأن الشفاعة التي لجأ الناس إليه فيها هي لإراحة الناس من كرب الموقف ، ثم تجيء الشفاعة في الإخراج انتهى .
والمعنى في قيام الأمانة والرحم أنهما لعظم شأنهما ومخافة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يوقفان للأمين والخائن وللواصل والقاطع فيحاجان عن المحق ، ويشهدان على المبطل . وقد وقع في حديث أبي هريرة بعد ذكر الجمع في الموقف الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد ، ثم يميز بين المنافقين من المؤمنين ثم حلول الشفاعة بعد وضع الصراط والمرور عليه ، فكان الأمر باتباع كل أمة ما كانت تعبد هو أوّل فصل القضاء والإراحة من كرب الموقف ، وبهذا تجمع متون الأحاديث وتترتب معانيها ، وقد ظهر أنه صلّى اللّه عليه وسلم أوّل ما يشفع ليقضي بين الخلق أو ان الشفاعة فيمن يخرج من النار ممن سقط تقع بعد ذلك ، وأن العرض والميزان وتطاير الصحف يقع في هذا الموطن ثم ينادي : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فتسقط الكفار في النار ، ثم يميز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسجود عند كشف الساق ، ثم يؤذن في نصب الصراط والمرور عليه فيطفأ نور المنافقين فيسقطون في النار أيضا ، ويمر المؤمنون عليه إلى الجنة ، فمن العصاة من يسقط ويوقف بعض من نجا عند القنطرة للمقاصصة بينهم ثم يدخلون الجنة .