ويبقى قسم ثالث : وهم الأكثرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وقد يخفى عليهم ولا يخفى على اللّه تعالى أن الغالب حسناتهم أو سيئاتهم ، ولكن يأبى اللّه إلا أن يعرفهم ذلك ليبين فضله عند العفو وعدله عند العقاب ، فتتطاير الصحف والكتب منطوية على الحسنات والسيئات وينصب الميزان وتشخص الأبصار إلى الكتب أتقع في اليمين أو في الشمال ؟ ثم إلى لسان الميزان أيميل إلى جانب السيئات أو إلى جانب الحسنات ؟ وهذه حالة
شرح
الناس . روى الخطيب من حديث ابن عباس « إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من بطنان العرش :
ليقم من على اللّه أجره فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب أخيه » .
( ويبقى قسم ثالث : هم الأكثرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وقد يخفى عليهم ولا يخفى على اللّه تعالى أن الغالب حسناتهم أو سيئاتهم ، ولكن يأبى اللّه إلا أن يعرفهم ذلك ليبين فضله عند العفو وعدله عند العقاب ) . وهذا أحد أوجه الحكمة في نصب الميزان بين الخلق . والوجه الثاني : أن ذلك لامتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا ، والثالث : لإظهار علامة السعادة والشقاوة يوم القيامة . والرابع : لإقامة الحجج عليهم ، والخامس : ليعرف العباد ما لهم من خير وشر . وهذه الأقوال كلها ذكرها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في منهاج الاستقامة . ومما يستأنس لهذا التقسيم قول ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم قال : « يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ[ المؤمنون : 102 ، 103 ] الآيتين . ثم قال : إن الميزان يخفف بمثقال حبة ويرجح ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط » . ( فتطاير الصحف والكتب ) هي كتب الأعمال ( منطوية على الحسنات والسيئات وتنصب الميزان ) واختلف في كيفية وضعها ، والذي جاء في أكثر الأخبار أن الجنة توضع عن يمين العرش والنار عن يسار العرش وتنصب الميزان بين يدي اللّه تعالى ، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة وكفة السيئات مقابل النار . ذكره الحكيم في نوادر الأصول . ( وتشخص الأبصار إلى الكتب أتقع في اليمين أو في الشمال ، ثم إلى لسان الميزان أيميل إلى جانب السيئات أو الحسنات ) ؟ واختلف في الموزون نفسه ، فالمشهور الراجح أنه توزن الصحف التي كتب فيها أعمال العباد وأقوالهم ، ويدل لذلك حديث البطاقة المشهور الآتي ذكره في آخر الكتاب . وقال بعضهم :
توزن الأجسام بأن يخلق اللّه عز وجل بإزاء كل عمل جسما ، فتحمل الأجسام التي تقابل الحسنات في كفة والأجسام التي تقابل السيئات في كفة فأي الكفتين حصل فيها الرجحان وقع بها الاعتبار ، ومن قال : إن الثواب والعقاب يصيران أجساما وتوزن فقد أخطأ لأن من الثواب ما لا نهاية له ، وكذلك العقاب ، ولا يصح وزن ما لا نهاية له ، وكذلك لا يثبت قول من قال : إن الحسنات والسيئات تتراءى في الميزان كما يتراءى الوجه في المرآة وإن لم يكن في الحقيقة فيها ، وهل توزن الأعمال جميعها أو بعضها ؟ فقيل : إنما يوزن من الأعمال بخواتيمها ، فإذا أراد اللّه بعبد خيرا ختم