تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
صفة الميزان : ثم لا تغفل عن الفكر في الميزان . وتطاير الكتب إلى الأيمان والشمائل ، فإن الناس بعد السؤال ثلاث فرق :
شرح

صفة الميزان :

ولما فرغ المصنف عن ذكر الموقف والحساب ذكر الميزان لأن وزن الأعمال يكون بعد انقضاء الحساب إذ الوزن للجزاء ، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال ، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بجنسها فقال : ( ثم لا تغفل عن التفكر في الميزان ) ذي الكفتين واللسان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها والإيمان به واجب وهو مذهب أهل السنة والجماعة - كما تقدم في كتاب قواعد العقائد - خلافا لمن أنكره من الجهمية والقدرية وقوم من قدماء المعتزلة يقال لهم الوزنية أنكروا الميزان وقالوا : إنما هو العدل وهو اختيار الجهمية ، ومنهم من شك في ذلك لكن قال : يجوز أن ينصب اللّه تعالى في القيامة ميزانا يجعل رجحانه علامة لمن يدخل الجنة وخفته علامة لمن يدخل النار . ويروى عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان بمعنى العدل والقضاء . قال القرطبي في التذكرة . وهذا القول ليس بشيء وإن كان شائعا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ، ووصفه بكفتين ، ولسان وأن كل كفة منها طباق السماوات والأرض . قال : ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه لجاز حمل الصراط على الدين الحق والجنة والنار على ما ترد على الأرواح دون الأجسام من الأحزان والأفراح والشياطين والجن على الاخلاق المذمومة ، وهذا كله فاسد لما جاء به الصادق صلّى اللّه عليه وسلم اه . وممن كان ينكر الميزان أبو سلمة عثمان بن مقسم البري وهو ثقة صدوق إلا أنه سقط الوثوق به لهذه البدعة ، ولذا قال أبو داود فيه أنه قدري معتزلي . وقال حنبل بن إسحاق : من أنكر الميزان فقد ردّ على اللّه سبحانه وردّ على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ذكر اللّه تعالى في كتابه الميزان بلفظ الجمع ، وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع فقيل : إن صورة الافراد محمولة على أن المراد الجنس جمعا بين الكلامين . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال فيكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ، وذهبت طائفة إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع ، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم وليس المراد حقيقة العدد وهو نظير قوله تعالى :كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ[ الشعراء : 105 ] والمراد رسول واحد وهذا هو المعتمد وعليه الأكثرون ، واللّه أعلم . ( ثم انظر في تطاير الكتب ) هي صحف أعمال العباد التي أثبتها الكرام الكاتبون من حسن وسئ ( إلى الإيمان والشمائل ) ، فمنهم من يعطى صحيفته بيمينه وأولئك السعداء ، ومنهم من يعطى بشماله وأولئك الأشقياء ، ( فإن الناس بعد ) الفراغ من ( السؤال ثلاث فرق ) .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 468 | مرتضى الزبيدي