تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب وولوا مدبرين يوم
تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
[ الجاثية : 28 ] وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادي العصاة والظالمون بالويل والثبور ، وينادي الصديقون نفسي نفسي . فبينما هم كذلك إذ زفرت النار زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ، ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خاشع ، وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين ، وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين . وبعد ذلك أقبل اللّه تعالى على الرسل وقال ما ذا أجبتم ، فإذا رأوا ما قد أقيم من
شرح
اللّه تعالى وخالف أمره ) . وروى ابن المنذر عن ابن جريج في قوله سمعوا لها شهيقا قال : صياحا . وروى عبد بن حميد عن يحيي قال : إن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغلة إلى الشعير ، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف . وروى هناد عن مجاهد في قولهوَهِيَ تَفُورُ[ الملك : 7 ] وقال : تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير . وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله :تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ[ الملك : 8 ] قال : أي تتفرق . وروى ابن مردويه من حديث أبي سعيد « يجيء بجهنم سبعون ألف ملك يقدرونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تزكت لأحرقت أهل الجمع » ومن حديث علي نحوه . وروى مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها » . ( فاخطر ببالك واحضر في قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا ) من مشاهدة هول ذلك الموقف ، ( فتساقطوا جثيا على الركب ) كما هو شأن كل مرعوب ، ( وولوا مدبرين ) على أعقابهم يومتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةًأي مستوفزين على الركب قاله مجاهد ، وزاد الضحاك عند الحساب . وروى البيهقي في البعث من حديث عبد اللّه بن باباه « كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين » ثم قرأ سفيانوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً( وسقط بعضهم على الوجوه منكبين ، وينادي العصاة والظالمون بالويل والثبور ) على أنفسهم وهم أصحاب الكبائر ، ( وينادي الصديقون والصالحون : نفسي نفسي ) كما سيأتي في حديث الشفاعة ، ( فبينما هم كذلك إذ زفرت النار زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم ) أي تراخت ، ( وظنوا أنهم مأخوذون ) لا محالة ، ( ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق لوجوههم ) منكبين ( وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفي خاشع ) أي ذليل منكسر ، ( وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين ) أي انكسرت ، ( فبلغت الحناجر ) أي الحلوق ( كاظمين ) ساترين حنقهم ، ( وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين ، وبعد ذلك أقبل اللّه تعالى على الرسل وقال : ما ذا أجبتم ) فيما أرسلتم ؟ ( فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء اشتد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 461 | مرتضى الزبيدي