تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
هكذا - » ، فتأمل يا مسكين في عرق أهل المحشر وشدة كربهم ، وفيهم من ينادي فيقول : رب أرحني من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا فإنك واحد منهم ولا تدري إلى أين يبلغ بك العرق . واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل اللّه - من حج وجهاد وصيام وقيام
شرح
ميل ويزاد في حرها كذا وكذا تغلي منه الهوام كما تغلي القدور على الأثافي يعرقون منها على قدر خطاياهم ، منهم من يبلغ كعبيه ، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه ، ومنهم من يبلغ إلى وسطه ، ومنهم من يلجمه العرق » والهوام جمع هامة وهي قمة الرأس . وأما حديث المقدام بن معدي كرب ، فرواه الطبراني في الكبير : « تدنو الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من الناس على قدر ميلين ويزداد في حرها فيضجرهم فيكونوا في العرق بقدر أعمالهم ، فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه ، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من يأخذه إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه إلجاما » . وأما حديث المقداد ، فرواه مسلم : « تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق ، فمنهم من يكون إلى كعبيه ، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ، ومنهم من يكون إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما » وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم ، ويتفاوتون في حصوله منهم . فإن قلت : الشمس محلها السماء ، وقد قال اللّه تعالى :يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ[ الأنبياء : 104 ] والألف واللام في السماء للجنس بدليل :وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[ الزمر : 67 ] فما طريق الجمع ؟ قلت : يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس في الحشر ليقوى هوله وكربه . وقال ابن أبي هبيرة : ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك ، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر ، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء اللّه فأشدهم الكفار ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم . ( فتأمل يا مسكين في عرق أهل المحشر وشدة كربهم ، وأن فيهم من ينادي ويقول : رب أرحني من هذا الكرب والانتظار ، ولو إلى النار ) فيود أن يذهب إلى النار ولا يصطلي بنار الانتظار ، ومن هنا قولهم : الوقوع في البلاء ولا الانتظار فيه . وقولهم : الانتظار أشد من النار . وروى أبو يعلى وابن حبان وصححه والطبراني من حديث ابن مسعود : « إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول يا رب أرحني ولو إلى النار » وهذا صريح في أن ذلك كله في الموقف . ( وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا ) ولم يظهر لهم عاقبة الأمر ، ( فإنك واحد منهم ولا تدري إلى أين يبلغ بك العرق ) . وما أظن إلا أنه يلجمك إلجاما إلا أن يتداركك اللّه بعفوه . ( واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل اللّه من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد