يمكن من الاستظلال به إلا المقربون ، فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح لحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وغمه من وهجها ، ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام ، وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء ، فاجتمع وهج الشمس وحر الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة . ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند اللّه ، فبعضهم بلغ العرق ركبتيه ، وبعضهم حقويه ، وبعضهم إلى شحمة أذنيه ، وبعضهم كاد يغيب فيه . قال ابن عمر : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يوم يقوم الناس لرب العالمين ، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » ، وقال أبو هريرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يعرق الناس يوم القيامة حتى
شرح
سلمان : حتى يقول الرجل غرغر . ( فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل عرش رب العالمين ، ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون ) أضاف الظل إلى العرش لأنه محل الكرامة ، وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش في القيامة حتى تدنو الشمس من رؤوس الخلائق . روى ابن المبارك في الرهد عن سلمان قال : بعد أن ساق كل ما ذكر قريبا : ولا يضرّ حرها مؤمنا ولا مؤمنة . قال القرطبي : المراد من يكون كامل الإيمان كما يدل عليه حديث المقداد وغيره : إنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم ، ( فمن بين مستظل بالعرش ) وهم أصناف ذوو خصال متعددة كما وردت به الأخبار ، وقد جمعها الحافظ ابن حجر في أماليه ، ثم أفردها بكتاب سماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال ، ثم ألف في ذلك بعده الحافظ السخاوي والحافظ السيوطي ومجموعها نحو تسعين خصلة ، ( وبين مضح لحر الشمس قد صهرته ) أي أحرقته ( بحرّها واشتد كربه وغمه من وهجها ) محركة هو شدة اللهيب ، ( ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضها بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام ) حتى أنه ما يملك أحد منهم إلا موضع قدميه كما جاء في الخير ، ( وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء ) واحتراق القلوب ( من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء ) جل جلاله ، ( فاجتمع وهج الشمس وحرّ الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ، ففاض العرق ) أي سال ( من أصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة ) وهو موقفهم ، ( ثم ارتفع إلى أبدانهم على قدر منازلهم عند اللّه ، فبعضهم بلغ العرق ركبتيه ، وبعضهم حقويه ، وبعضهم إلى شحمة أذنيه ، وبعضهم كاد يغيب فيه . قال ابن عمر ) رضي اللّه عنهما : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يوم يقدم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » ) قال العراقي : متفق عليه .
قلت : رواه كذلك مالك وهناد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه ، ورواه البخاري أيضا وابن ماجة بلفظ : « يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » .
( وقال أبو هريرة ) رضي اللّه عنه ، ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يعرق الناس يوم القيامة