بيضاء قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ولا ترى عليها ربوة يختفي الإنسان وراءها ، ولا وهدة يتخفض عن الأعين فيها ، بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه يساقون إليه زمرا ، فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة ، والراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي الثانية ، وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة الأبصار ولتلك أن تكون خاشعة ، قال
شرح
( عراة ) جمع عار ( غرلا ) جمع أغرل وهو الأقلف ( إلى أرض المحشر ) وهي ( بيضاء ) كأنها در مكة ( قاع صفصف ) مستو ( لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) العوج : محركة يقال فيما يدرك بالبصر كالخشب المنصوب ونحوه ، وبالكسر فيما يدرك بفكر وبصيرة ، وقد يكون في أرض بسيط عوج يعرف تفاوته بالبصر . وروى الحاكم من طريق ورقاء بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله :قاعاً صَفْصَفاًقال : مستويا لا ترى فيها عوجا أي تخفضا ولا أمتا أي مرتفعا . ( ولا ترى عليها ربوة ) أي بقعة مرتفعة ( يختفي الإنسان وراءها ولا وهدة ) بقعة منخفضة ( ينخفض عن الأعين فيها ، بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه يساقون إليه زمرا ) أي جماعة كما قال تعالى :فَتَأْتُونَ أَفْواجاً[ النبأ : 18 ] ( فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم ) من الإنس والجن والشياطين والوحوش والطيور ( من أقطار الأرض ) أي جوانبها . وروى الحكيم من حديث ابن عمرو : « إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم وحشر اللّه الخلائق الإنس والجن والدواب والوحوش » الحديث . ومن حديث جابر : « تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه » . ( إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة ، والراجفة هي ) الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي ( النفخة الأولى ) لأنها ترجفهم وتزلزلهم عن مواضعهم ، ( والرادفة هي ) النفخة ( الثانية ) لأنها تردفها أي تتبعها ، وبينهما أربعون عاما كما في حديث أبي هريرة ، وبه فسر قوله تعالى :يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ[ النازعات :
6 ، 7 ] وقيل : المراد بالرادفة الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله تعالى :يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ[ المزمل : 14 ] والرادفة هي السماء والكواكب تنشق وتنشر ، وما ذكره المصنف هو المنقول عن أبي صالح رواه عبد بن حميد . وروي أيضا عن قتادة :
قال هما الصيحتان . أما الأولى فتميت كل شيء بإذن اللّه تعالى ، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن اللّه تعالى . وروى نحوه عن الحسن . وروى أبو الشيخ وابن مردويه من حديث أبي هريرة ترجف الأرض رجفا وتزلزل بأهلها وهي التي يقول اللّه :يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُيقول :
مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها ، أو مثل القنديل المعلق بأرجائه . وروى أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب من حديث أبي بن كعب قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال : « أيها الناس اذكروا اللّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه » وقد تقدم في أول هذا الكتاب ، ( فحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ) أي وجلة متحركة أو خائفة مضطربة من الوجيف وهو شدة الاضطراب والخفقان ،