من البراري والجبال منكسة رؤوسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها ، ولكن حشرتهم شدة الصعقة وهول النفخة ، وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم ، وذلك قوله تعالى :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[ التكوير : 5 ] ، ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على اللّه تعالى تصديقا لقوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
[ مريم : 68 ] ، فتفكر في حالك وحال قلبك هنالك .
صفة أرض المحشر وأهله :
ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر ، أرض
شرح
بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها ، ولكن حشرهم شدة الصعقة وهول النفخة وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم ، وذلك قوله تعالى :وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) قال البيضاوي : أي جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ، ثم ردت ترابا أو أميتت من قولهم : إذا أجحفت السنة الناس حشرتهم وقرىء بالتشديد اه .
وقال أبي بن كعب : حشرت أي اختلطت ، وذلك إذا وقعت الجبال على الأرض فتحركت واضطربت ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن ، واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض . رواه ابن أبي الدنيا في الأهوال ، وابن جرير وابن أبي حاتم . وقال الضحاك : حشرت أي ماتت . رواه عبد بن حميد . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : حشر البهائم موتها وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة . رواه الحاكم وصححه .
وقال الربيع بن خيثم : حشرت أي أتى عليها أمر اللّه رواه سعيد بن منصور . وقال قتادة : إن هذه الخلائق موافية يوم القيامة فيقضي اللّه فيها ما يشاء . رواه عبد بن حميد .
( ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على اللّه ) . روى الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة الطويل المتقدم ذكره قريبا : « وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع » الحديث ( تصديقا لقوله تعالى :فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) أي قعودا على ركبهم رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس . وروى البيهقي في البعث من حديث عبد اللّه بن باباه كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين ، وقيل : جثيا أي قياما . رواه ابن أبي حاتم عن السدي ، ( فتفكر في حالك وحال قلبك هنالك ) كيف يكون إن كنت من المتيقظين .