تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
فإن قلت : فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث ؟ فاعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده . ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني . ومنهم لم يثبت إلا الثالث . وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان . وأن من ينكر بعض ذلك فهو أضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة اللّه سبحانه وعجائب تدبيره ، فينكر من أفعال اللّه تعالى ما لم يأنس به ويألفه ، وذلك جهل وقصور . بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب . ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ، ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة ، نعوذ باللّه من عذاب اللّه قليله وكثيره . وهذا هو الحق فصدق به تقليدا فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا ، والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشغل بمعرفته ، بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان ، فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك ، كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه ، فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى ؟ وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه وهذا غاية الجهل ، فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من
شرح
( فإن قلت : فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث ؟ فاعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ، ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ، ومنهم من لم يثبت إلا الثالث ، وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الامكان ، وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة اللّه تعالى وعجائب تدبيره ، فينكر من أفعال اللّه تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور ، بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ، ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ، ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة . نعوذ باللّه من عذاب اللّه قليله وكثيره ) . ( هذا هو الحق فصدق به تقليدا ، فيعز ) أي يندر ( على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا ) لأنه ليس من جنس معارف هذا العالم ، ( والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته ) فتضيع وقتك ، ( بل تشتغل بالتدبير ) والاحتيال ( في رفع العذاب ) عنك ( كيفما كان ) وبأي وجه أمكن ، ( فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه ) ويمثل به ، ( فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى ) أو غير ذلك من آلات القطع ، ( وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه ، وهذا غاية الجهل فقد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 352 | مرتضى الزبيدي