عذاب عظيم أو نعيم مقيم ، فينبغي أن يكون الاستعداد له . فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان .
شرح
علم على القطع ) واليقين ( أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم أو عن نعيم مقيم ، فينبغي أن يكون الاستعداد له . فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان ) وفيه غاية الخسران .
قال المصنف في آخر كتاب الأربعين الذي ختم به كتاب الجواهر ما نصه ، فإن قلت : فهل يتمثل هذا التنين تمثلا يشاهده مشاهدة تضاهي إدراك البصر ، أو هو تألم محض في ذاته كتألم العاشق إذا حيل بينه وبين معشوقه ؟ فأقول : بل هو يتمثل له حتى يشاهده ، ولكن تمثلا روحانيا لا على وجه يدركه من هو بعد في عالم الشهادة إذا نظر في قلبه ، فإن ذلك من عالم الملكوت . نعم العاشق أيضا قد ينام فيتمثل له حاله في المنام ، فربما يرى حية تلدغ صميم فؤاده لأنه يعد بالنوم في عالم الشهادة قليلا ، فلذلك تتمثل له حقائق الأشياء تمثلا محاكيا للحقيقة منكشفا له من عالم الملكوت ، والموت أبلغ في الكشف من النوم لأنه أقمع لنوازع الحس والخيال ، وأبلغ في تحذير جوهر الروح من غشاوة هذا العالم ، فلذلك يكون التمثيل تاما محققا دائما لا يزول فإنه نوم لا ينتبه منه إلى يوم القيامة . فيقال :لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ[ ق : 22 ] واعلم أن المستيقظ بجنب النائم إن كان لا يشاهد الحية التي تلدغ النائم ، فذلك غير مانع من وجود الحية التي تلدغ النائم في حقه ، وحصول الألم به . كذلك حال الميت في قبره ، ولعلك تقول : قد استدعيت قولا مخالفا للمشهور منكرا عند الجمهور إذ زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكا مجاوزا حدّ التقليد الشرعي ، فهل يمكن إن كان ذلك حصر أصناف العذاب وتفاصيله ؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكرها ، وكيف ينكر مخالفة المسافر للجمهور والجمهور مستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم ومحل ولادتهم ، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم ، وإنما يسافر منهم الآحاد . واعلم أن البلد منزل البدن والقالب ، وإنما منزل روح الإنسان عوالم الإدراكات والمحسوسات وهو المنزل الأول ، والمتخيلات المنزل الثاني ، والتوهمات المنزل الثالث ، وما دام الإنسان في المنزل الأول فهو دود وفراش فإن فراش النار ليس له إلا الإحساس ، ولو كان له تخيل وحفظ للمتخيل بعد الإحساس لما تهافت على النار مرة بعد أخرى ، وقد تأذى بها أولا ، فإن الطير وسائر الحيوانات إذا تتأذى في موضع بالضرب تفر منه ولم تعاوده لأنه بلغ المنزل الثاني وهو حفظ المتخيلات بعد غيبوبتها عن الحس ، وما دام الإنسان في المنزل الثاني بعد فهو بهيمة ناقصة إنما حدّه أن يحذر من شيء تأذى به مرة ، وما لم يعاود بشيء فلا يدري أنه يحذر منه ، فإذا صار في المنزل الثالث وهو المتوهمات فهو بهيمة كاملة كالفرس مثلا ، فإنه قد يحذر من الأسد إذا رآه أولا وإن لم يتأذّ به قط فلا يكون حذره موقوفا على أن يتأذى به مرة ، بل الشاة ترى الذئب أولا فتحذره ، وترى الجمل والثور وهما أعظم منه شكلا وأهول منه صورة فلا تحذرهما إذ ليس من طبعهما أذاها ، وإلى الآن في مشاركة البهائم ، وبعد هذا يترقى