تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه ، فذلك أعظم عليه من العقارب والحيات ، وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات ، لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد . لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة بعد الموت ، إذ قد أنسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس . فإذا كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به ، فإن كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعنى بقولهم : نجا المخفون ، وإن كان مثقلا عظم عذابه . وكما أن حال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير ، فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعنى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين » ، وما من شيء من الدنيا يتخلف
شرح
وأعضاءه ، ويأسف عن رجوع جميع ذلك كله إليه ، فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم من العقارب والحيات ، وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه ، فكذلك إذا مات لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد لأنه في الحياة يبتلى بأسباب تشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ، ويبتلى برجاء العود إليه ، ويبتلى برجاء العوض عنه ، ولا سلوة بعد الموت إذ قد انسدت عليه طرق التسلي وحصل اليأس ، فإذا كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا فإن كان مخففا من الدنيا سلم وهو المعنى بقوله : نجا المخفون ) . والمشتهر على الألسنة : فاز المخفون وهو بمعناه . وفي حديث أبي الدرداء « أمامكم عقبة كؤد لا يجوزها المثقلون » رواه الحاكم في المستدرك وهو في النهاية لابن الأثير بلفظ : إن بين أيدينا عقبة كؤد لا يتجاوزها إلا الرجل المخف . وفي الحلية لأبي نعيم في قصة التقاء عمر بن الخطاب بأويس القرني وعرض عليه نفقة وأباها أنه قال : يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كؤدا لا يجاوزها إلا كل ضامر مخف . وعند الطبراني من حديث أنس : « يا أبا ذر أعلمت أن بين أيدينا عقبة كؤدا لا يصعدها إلا المخففون » . وقد قال الشاعر :هذا الزمان الذي قال الرسول لنا * خفوا الرحال فقد فاز المخفونا( وإن كان مثقلا عظم عذابه ) واشتد تعبه ، ( وكما أن حال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير ، فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين ، وهو المعنى بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين » ) قال العراقي : لم أجد له أصلا . قلت : بل رواه الحاكم في تاريخه من حديث أبي هريرة بلفظ : « ذو الدرهمين أشد حسابا من ذي