تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
شرح
بتفصيل عذاب الآخرة ، وذكر أصنافه ، فلا تطمع في التفصيل فذلك داعية إلى الإملال والتطويل ، فقد ظهر لي بالمشاهدة ظهورا أوضح من العيان أن أصناف عذاب الآخرة ثلاثة . أعني الروحاني منها حرقة فرقة المشتهيات وخزي خجلة المفضحات وحسرة فوات المحبوبات ، فهذه ثلاثة أنواع من النيران الروحانية تتعاقب على روح من آثر الحياة الدنيا إلى أن ينتهي إلى مقاساة النار الجسماني ، فإن ذلك يكون في آخر الأمر ، فخذ الآن شرح هذه الأصناف . الصنف الأول : حرفة فرقة المشتهيات ، فصورته المستعارة من عالم الحس والتخيل التنين وضعه الشارع صلّى اللّه عليه وسلم وعدد رؤوسه وهي بعدد الشهوات ورذائل الصفات ، يلدغ صميم الفؤاد لدغا مؤلما ، وإن كان البدن بمعزل عنه فقد رقي عالمك هذا ملكا مستوليا على جميع الأرض متمكنا من جميع البلاد مستهترا بالوجوه الحسان متهلكا عليها مشغوفا باستعباد الخلق بالطاعة مطاعا فيهم ، فقصده رجل فاسترقه ليستعمله في تعهد الكلاب وصار يتمتع بأهله وجواريه بين يديه ويتصرف في خزائنه ودخائر أمواله فيفرقها على أعدائه ومعانديه ، فانظر الآن هل ترى على قلبه تنينا إذا رؤوس كثيرة يلدغ صميم فؤاده وبدنه بمعزل عنه ، وهو يوّد أنه لو يبتلى بدنه بأمراض وآلام ليتخلص منه فتوهم هذا ، فربما تشتم قليلا من رائحة الحطمة التي فيها نار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة أعدت لمن جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده . واعلم أن عذاب كل ميت بعدد رؤوس هذا التنين وعدد الرؤوس بعدد المشتهيات ، ومن كان أفقر وتمتعه بالدنيا أقل كان العذاب عليهم أخف ، ومن لا علاقة له مع الدنيا أصلا فلا عقاب عليه أصلا . الصنف الثاني : خزي خجلة المفضحات فقدر رجلا خسيسا رذلا فقيرا عاجزا قربه ملك من الملوك وقواه وخلع عليه وسلم إليه نيابة ملكه ومكنه من دخول حريمه وخزائنه اعتمادا على أمانته ، فلما عظمت عليه النعمة طغى وبغى وصار يخون في خزائنه ويفجر بأهل الملك وبناته وسرياته ، وهو في جميع ذلك يظهر الأمانة للملك ويعتقد أنه غير مطلع على خيانته ، فبينما هو في غمرة فجوره وخيانته إذ لاحظ روزنة ، فرأى الملك يطلع عليه منها وعلم أنه كان يطلع عليه كل يوم ، لكن كان يغضي عنه ويمهله حتى يزداد خبثا وفجورا ويزداد استحقاقا للنكال لتنصب عليه بالآخرة أنواع العذاب ، فانظر إلى قلبه كيف يحرق بنيران خزي الخجلة وبدنه بمعزل عنه ، وكيف يود أن يعذب بدنه بكل عذاب وينكتم خزيه ، فكذلك أنت تتعاطى في الدنيا أعمالا لها حقائق خبيثة قبيحة وأنت جاهل بها ، فتنكشف لك في الآخرة حقائقها في صورها القبيحة فتختزي وتخجل خجلة تؤثر عليها آلام بدنك . فإن قلت : كيف تنكشف لي حقائقها ؟ فاعلم أنك لا تفهمه إلا بمثال ، وجملته مثلا أن يؤذن مؤذن في رمضان قبل الصبح فيرى في المنام أن في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فيقول له ابن سيرين : هذا رأيته لأذانك قبل الصبح ، فتأمل الآن أنه لما بعد بالنوم قليلا عن عالم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 355 | مرتضى الزبيدي