تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
شرح
الإنسان إلى عالم الإنسانية فيدرك الأشياء لا تدخل في حس ولا تخيل ولا وهم ويحذر به الأمور المستقبلة ، ولا يقتصر حذره على الأمور العاجلة اقتصار حذر الشاة على ما تشاهد في الحال من الذئب . ومن ههنا يصير حقيقته الإنسانية والحقيقة هي الروح المنسوبة إلى اللّه تعالى ونفخت فيه من روحي ، وفي هذا العالم يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن غشاوة القوالب . وأعني بهذه الأرواح الحقائق المحض المجردة عن كسوة التلبيس وغشاوة الأشكال ، وهذا العالم لا نهاية له . وأما العوالم المحسوسات والمتخيلات والموهومات ، فمتناهية لأنها متجاورة للأجسام وملتصقة بها ، والأجسام لا يتصوّر أن تكون غير متناهية والسير في هذا العالم مثاله الخيالي المشي على الماء ، ثم يترقى منه إلى المشي على الهواء ، وأما ليزداد على المحسوسات فهو كالمشي على الأرض وفيها تتولد درجات الشياطين معنى يتجاوز الإنسان عوالم البهائم فينتهي إلى عالم الشياطين ، ومنه يسافر إلى عالم الملائكة وقد ينزل فيه ويستقر ، وفي هذه العوالم كلها منازل الهدى ، والهدى المنسوب إلى اللّه تعالى يوجد في العالم الرابع وهو عالم الأرواح ، وهو قوله تعالى :قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ[ آل عمران : 73 ] ومقام كل إنسان ومحله ومنزلته في العلو والسفل بقدر إدراكه ، وهو معنى قول علي رضي اللّه عنه : الناس أبناء ما يحسنون ، فالإنسان بين أن يكون دودا أو حمارا أو فرسا أو شيطانا ثم يجاوز ذلك فيصير ملكا . والملائكة درجات : فمنهم الأرضية ، ومنهم السماوية ، ومنهم المقربون المرتفعون عن الالتفات إلى السماء والأرض القاصرون نظرهم على جمال حضرة الربوبية وملاحظة الوجه الكريم خاصة ، وهم أبدا في دار البقاء إذ ملحوظهم هو الوجه الباقي ، وأما ما عدا ذلك فالفناء مصيره . أعني السماوات والأرض وما يتعلق بها من المحسوسات والمتخيلات والموهومات وهو معنى قوله تعالى :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ[ الرحمن : 26 ، 27 ] وهذه العوالم منازل سفر الإنسان ليترقى من حضيض درجة البهائم إلى يفاع رتبة الملائكة ، ثم يترقى من رتبهم إلى رتبة العشاق وهم منهم فهم العاكفون على ملاحظة جمال الوجه يسبحون الوجه الكريم ويقدسونه بالليل والنهار لا يفترون ، فانظر الآن إلى خسة الإنسان وإلى شرفه إلى بعد مراقيه في معراجه وإلى استحطاط درجاته في سفله ، وكل الآدميين مردودون إلى أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يترقون منها فلهم أجر غير ممنون ، وهو ملاحظة جمال الوجه . وبهذا يفهم معنى قوله تعالى :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ[ الأحزاب : 72 ] الآية . لأن معنى الأمانة التعرض للعهدة لخطر الثواب والعقاب في الطاعة والمعصية ، ولا خطر على سكان الأرض هم البهائم إذ ليس لهم إمكان الترقي من المنزل الثاني ، ولا خطر على الملائكة إذ ليس لهم خوف الانحطاط إلى حضيض علم البهائم ، فانظر إلى الإنسان وعجائب عوالمه كيف يعرج إلى سماء العلو رقيا ويهوي إلى الأرض السافلة للحقارة هويا متقلدا . هذا الخطر العظيم الذي لم يتقلده في الوجود غيره ، فيا مسكين كيف تقهرني بالعاقبة وتخوّفني بمجاوزة الجمهور ومخالفة المشهور ، وبذلك فرحي وسروري إن الذي تكرهونه منى هو الذي يشتهيه قلبي ، فاطوطور الهذيان ولا تقعقع بعد هذا بالشنان وأما مطالبتك
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 354 | مرتضى الزبيدي