تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
فإن قلت : فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة ؟ فاعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا : أحدها : وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ولكنك لا تشاهد ذلك ، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية ، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت . أما ترى الصحابة رضي اللّه عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ، ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده ، فإن
شرح
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً[ آل عمران : 30 ] بل سر قوله تعالى :لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ[ التكاثر : 5 ، 6 ] أي أن الجحيم في باطنكم فاطلبوها بعلم اليقين ولترونها قبل أن تدركوها بعين اليقين ، بل هو سر قوله تعالى :يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ[ العنكبوت : 54 ] ولم يقل إنها ستحيط بل قال هي محيطة . وقوله :إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها[ الكهف : 29 ] ولم يقل إنها ستحيط بهم ، وهو معنى قوله : إن الجنة والنار مخلوقتان . وقد أنطق اللّه لسانه بالحق ، ولعله لم يطلع على سر ما يقوله : فإنك لم تفهم بعض معاني القرآن ، كذلك فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره كما ليس للبهيمة نصيب من البر إلا في قشوره الذي هو التبن ، والقرآن غذاء الخلق كلهم على اختلاف أصنافهم ، ولكن اغتذاؤهم به على قدر درجاتهم ، وفي كل غذاء مخ ونخالة وتبن ، وحرص الحمار على التبن أشد منه على الخبز المتخذ من اللب فأنت شديد الحرص على أن لا تفارق درجة البهيمة ، ولا أن ترقى إلى درجة الإنسانية فضلا عن الملائكة ، فدونك الانسراح في رياض القرآن ففيه متاع لكم ولأنعامكم . ( فإن قلت : فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك ) أي من أنواع العذاب من الحيات والعقارب ، ( فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة ؟ فاعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا ) . ( أحدها : وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ) نظرا لظاهر الأخبار الصحيحة ، ( ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين ) التي تبصر بها الأمور الظاهرة ( لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية ، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت ) فإنه ضد عالم الشهادة . ( أما ترى الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( كيف كانوا يؤمنون ) أي يصدقون ( بنزول جبريل ) عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ( وما كانوا يشاهدونه ) على هيئته التي هو عليها ، ( ويؤمنون ) مع ذلك ( بأنه صلّى اللّه عليه وسلم ) كان ( يشاهده ) مشاهدة عيان ،