العقرب ، وما بينهما يؤذي إيذاء الحية . وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات وانشعاب فروعها إلا إن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة .
فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب البصائر واضحة ، فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم .
شرح
والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات وانشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة ، فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة ، فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها ، بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم ) .
قال المصنف في آخر كتاب الجواهر : وأما قولك إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات ؛ فهذا صحيح وهو كذلك لكني أراك عاجزا عن فهمه ودرك سره وحقيقته إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقا لك إلى معرفة الحقائق والتشمير للاستعداد لأمر الآخر فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن في قبره في روضة خضراء » فذكر الحديث بتمامه ، ثم قال : فانظر إلى هذا الحديث واعلم أن هذا حق على هذا الوجه شاهده أهل البصائر ببصيرة أوضح من البصر الظاهر والجاهل ينكر ذلك إذ يقول : أنا أنظر في قبره فلا أرى ذلك أصلا ، فليعلم الجاهل أن هذا التنين ليس خارجا عن ذات الميت أعني ذات روحه لا ذات جسده ، فإن الروح هي التي تتنعم وتتألم ، بل كان معه قبل موته متمكنا من باطنه ، لكنه لم يكن يحس بلدغه لخدر كان فيه من غلبة الشهوات فأحس بلدغه بعد الموت ، وليتحقق أن هذا التنين مركب من صفاته وعدد رؤوسه بعد أخلاقه الذميمة وشهواته لمتاع الدنيا ، فأصل هذا التنين حب الدنيا وتتشعب عنه رؤوس بعدد ما يتشعب من حب الدنيا من الحسد والحقد والكبر والرياء والشره والمكر والخداع وحب الجاه والمال والعداوة والبغضاء ، وأصل ذلك معلوم بالبصيرة ، وكذا كثرة رؤوسه اللادغة . وأما انحصار عددها في تسعة وتسعين إنما يوقف عليه بنور النبوة ؛ فهذا التنين متمكن من صميم فؤاد الكافر لا بمجرد جهله بالكفر ، بل لما يدعو إليه الكفر كما قال تعالى :ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ[ النحل : 107 ] قال تعالى :أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها[ الأحقاف : 20 ] الآية . وهذا التنين لو كان كما تظنه خارجا عن ذات الميت لكان أهون إذ ربما ينصرف عنه التنين أو ينحرف هو عنه ، لا بل هو متمكن من صميم فؤاده يلدغه لدغا أعظم مما تفهمه من لدغ التنين وهو بعينه صفاته التي كانت معه في حياته ، كما أن التنين الذي يلدغ قلب العاشق إذا باع جاريته هو بعينه العشق الذي كان مستكنا في قلبه استكنان النار في الحجر وهو غافل عنه ، فقد انقلب ما كان سبب لذته سبب ألمه ، وهذا سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم :
« إنما هي أعمالكم ترد عليكم » وسر قوله تعالى :يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً