تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
شرح
ومنهم من يكون محبوسا في الأرض لم تصل روحه إلى الملأ الأعلى لأنها كانت روحا سفلية أرضية ، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السمائية كما أنها لا تجامعها في الدنيا فإن الروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأصحاب عملها ، فالمرء مع من أحب . ومنهم أرواح تكون في تنور الزانيات ، وأرواح في نهر الدم إلى غير ذلك ، فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد ، وكلها على اختلاف محالها وتباين مقارها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل له من النعيم أو العذاب ما كتب له انتهى كلام ابن القيم . وقال القرطبي : الأحاديث دالة على أن أرواح الشهداء خاصة في الجنة دون غيرهم ، وحديث كعب ونحوه محمول على الشهداء ، وأما غيرهم فتارة يكون في السماء لا في الجنة ، وتارة على أفنية القبور ، وقد قيل : إنها تزور قبورها كل جمعة على الدوام . وقال ابن العربي : بحديث الجريدة يستدل على أن الأرواح في القبور تنعم أو تعذب ، ثم قال القرطبي : وبعض الشهداء أرواحهم خارج الجنة أيضا في حديث ابن عباس « على بارق نهر بباب الجنة » وذلك إذا حبسهم عنها دين أو شيء من حقوق الآدميين . قال : وذهب بعض العلماء إلى أن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى ، ولذلك سميت جنة المأوى لأنها تأوي إليها الأرواح تحت العرش فيتنعمون بنعيمها ويتنسمون بطيب نسيمها . قال : والأوّل أصح . وقال الحافظ ابن حجر في فتاويه : أرواح المؤمنين في عليين ، وأرواح الكفار في سجين ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا ، بل أشبه شيء به حال النائم وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا . قال : وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين وبين ما نقله ابن عبد البر عن الجمهور أنها عند أفنية قبورها . قال : ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف ، وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين . قال : وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر وكذا لو تفرقت الاجزاء . وقال القرطبي في حديث كعب « نسمة المؤمن طائر » وهو يدل على أن نفسها تكون طائرا أي على صورته لا أنها تكون فيها ، ويكون الطائر ظرفا لها . وكذا في رواية عن ابن مسعود عند ابن ماجة « أرواح الشهداء عند اللّه كطير خضر » وقال في لفظ عن ابن عباس « تجول في طير خضر » ولفظ ابن عمرو « في صورة طير بيض » وفي لفظ عن كعب « الشهداء طير خضر » قال : وهذا كله أصح من رواية في جوف طير . وقال القابسي : أنكر العلماء رواية في حواصل طير خضر لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقا عليها ، وردّ بأن الرواية ثابتة والتأويل محتمل بأن يجعل « في » بمعنى « على » وجائز أن يسمى الطير جوفا إذ هو محيط به ، ويشتمل عليه قاله عبد الحق . وقال غيره : لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها اللّه تعالى لها حتى تكون أوسع من الفضاء وقال العز بن عبد السلام في أماليه في قوله تعالى :وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ[ آل عمران : 169 ] فإن قيل : الأموات كلهم كذلك فكيف خصص هؤلاء ؟ فالجواب : أن الكل ليس كذلك ، فالمجاهد تنقل روحه إلى طير أخضر فقد انتقل من جسد إلى آخر بخلاف غيره فإنها تنفى من الأجساد . قال : وأما حديث كعب « نسمة المؤمن » الخ فهذا العموم محمول على المجاهدين ، فقد ورد أن الروح في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 321 | مرتضى الزبيدي