إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 319
فصل [ الأرواح بعد الموت عظيمة ] قال ابن القيم في كتاب الروح : مسألة الأرواح بعد الموت عظيمة لا تتلقى إلا من السمع فقيل : إن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة الشهداء وغيرهم إذا لم تحبسهم كبيرة لظاهر حديث كعب وأم هانىء وأم بشر وأبي سعيد وضمرة ونحوها ، ولقوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [ الواقعة : 88 ، 89 ] قسم الأرواح عقب خروجها من البدن إلى ثلاثة مقربين وأخبر أنها في جنة نعيم وأصحاب يمين ، وحكم بالسلام وهو يتضمن سلامتها من العذاب ومكذبة ضالة ، وأخبر أن لها نزلا من حميم وتصلية جحيم . وقال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [ الفجر : 27 ، 28 ] الآية وقال جماعة من الصحابة والتابعين : إنه يقال لها ذلك عند خروجها من الدنيا على لسان الملك بشارة ويؤيده قوله تعالى في مؤمن آل يس : قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [ يس : 26 ، 27 ] وقيل : الأحاديث مخصوصة بالشهادة كما صرح به في رواية أخرى ولقوله في غيرهم : « إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي » ولحديث أبي هريرة السابق : « إنهم في السماء السابعة ينظرون إلى منازلهم في الجنة » . وقال ابن حزم في طائفة مستقرها حيث كانت قبل أجسادها أي عن يمين آدم وشماله وقال : هذا ما دل عليه الكتاب والسنة قال اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الأعراف : 172 ] الآية وقال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] الآية فصح أن اللّه تعالى خلق الأرواح جملة ، وكذلك أخبر صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . وأخذ اللّه عهدها وميثاقها وشهادتها بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن تؤمر الملائكة بالسجود لآدم ، وقبل أن يدخلها في الأجساد والأجساد يومئذ تراب وماء ، ثم أقرها حيث شاء وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت ، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المني . قال : فصح أن الأرواح أجسام حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة مميزة فيبوئهم اللّه في الدنيا كما يشاء ، ثم يتوفاها فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به إلى سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم ، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره عند منقطع العناصر الماء والهواء والتراب والنار تحت السماء ، ولا يدل ذلك على تعادلهم ، بل هؤلاء عن يمينه في العلو والسعة وهؤلاء عن يساره في السفل والسجن ، وتعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة . قال : وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه وقال : على هذا أجمع أهل العلم . وقال ابن حزم وهو قول جميع أهل الإسلام وهو قول اللّه تعالى : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [ الواقعة : 8 - 12 ] وقوله : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ [ الواقعة : 88 ، 89 ] الآية فلا تزال الأرواح هناك حتى يتم عددها بنفخها في الأجسام ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة فيعيدها عز وجل إلى الأجساد وهي الحياة الثانية ، وهذا كله كلام ابن حزم .