تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
شرح
وقيل : هي على أفنية قبورها . قال ابن عبد البر وهذا أصح ما قيل . قال : وأحاديث السؤال وعرض المقعد وعذاب القبر ونعيمه وزيارة القبور والسلام عليها ومخاطبتهم مخاطبة الحاضر العاقل دالة على ذلك . قال ابن القيم : هذا القول إن أريد به أنها ملازمة للقبور لا تفارقها فهو خطأ يرده الكتاب والسنة .

تنبيه : [ عرض المقعد لا يدل على أن الأرواح في القبر ولا على فنائه ]

عرض المقعد لا يدل على أن الأرواح في القبر ولا على فنائه ، بل على أن لها اتصالا به يصح أن يعرض عليها مقعدها ، فإن للروح شأنا آخر فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على صاحبها رد عليه السلام وهي في مكانها هناك ، وإنما يأتي الغلط هنا من قياس الغائب على الشاهد ، فيعتقد الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا أشغلت مكانا لم يمكن أن يكون في غيره وهذا غلط محض ، وقد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء موسى عليه السلام قائما يصلي في قبره ، ورآه في السماء السادسة ، فالروح كانت هناك في مثل البدن ولها اتصال في البدن بحيث يصلي في قبره ويردّ على من يسلم عليه وهو في الرفيق الأعلى ، ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان ، وقد مثل ذلك بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض ، وإن كان غير تام المطابقة من حيث أن الشعاع إنما هو عرض للشمس وأما الروح ، فهي نفسها تنزل وكذلك رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلم الأنبياء عليهم السلام ليلة الإسراء في السماوات الصحيح أنه رأى فيها الأرواح في مثال الأجساد مع ورود أنهم أحياء في قبورهم يصلون ، فلا منافاة بين كون الروح في عليين أو الجنة أو السماء ، وأن لها بالبدن اتصالا بحيث تدرك وتسمع وتصلي وتقرأ ، وإنما يستغرب هذا لكون الشاهد الدنيوي لأنه ليس فيه ما يشابه هذا ، وأمور البرزخ والآخرة على نمط غير المألوف في الدنيا هذا كله كلام ابن القيم . وحكي في موضع آخر للروح من سرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر ما يقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة ، وشاهد ذلك روح النائم فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخرق السبع الطباق وتسجد للّه بين يدي العرش ثم يرد إلى جسده في أيسر زمان . ثم قال ابن القيم بعد أن أورد بقية الأقوال في مستقر الأرواح : ولا نحكم على قول من هذه الأقوال بعينه بالصحة ولا غيره بالبطلان ، بل الصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت ، ولا تعارض بين الأدلة فإن كلا منها وارد على فريق من الناس بحسب درجاتهم في السعادة والشقاوة ، فمنها أرواح في أعل عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الأسراء . ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم فإن منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو غيره كما في حديث محمد بن عبد اللّه بن جحش عند أحمد . ومنهم من يكون على باب الجنة كما في حديث ابن عباس ، ومنهم من يكون محبوسا في قبره كحديث صاحب الشملة أنها لتشتعل عليه نارا في قبره .