تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
فلا بدّ من فراقه عند الموت لا محالة . ولهذا قال عبد اللّه بن عمرو : إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو روحه مثل رجل بات في سجن فأخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها . وهذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا وتبرم بها ولم يكن له أنس إلا بذكر اللّه تعالى ، وكانت شواغل الدنيا تحبسه عن محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه ؛ فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات وانفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع . وما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم واللذات . وأكمل اللذات للشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه ! لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا مشتاقين إلى لقاء اللّه راضين بالقتل في طلب مرضاته ، فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها طوعا بالآخرة والبائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع ، وإن نظر إلى الآخرة فقد اشتراها وتشوق إليها ، فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه وما أقل التفاته إلى ما باعه
شرح
به فلا بد من فراقه عند الموت لا محالة ) . وقد روى ابن أبي شيبة عن عبادة بن الصامت قال : أتمنى لحبيبي أن يقل ماله ويعجل موته . وروى ابن السكن في المعرفة من حديث زرعة بن عبد اللّه : يحب الإنسان الحياة والموت خير لنفسه ، ويحب الإنسان كثرة المال وقلة المال أقل للحساب . وروى أحمد في الزهد من حديث محمود بن لبيد : اثنتان يكرهما ابن آدم : يكره الموت والموت خير له من الفتنة ، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب . ( ولهذا قال عبد اللّه بن عمرو ) بن العاص رضي اللّه عنهما : ( إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو ) قال ( روحه ) شك من الراوي ( مثل رجل كان في سجن فأخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها ) رواه ابن المبارك في الزهد بلفظ : الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن ، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها . وقال ابن أبي شيبة في المصنف : حدثنا غندر ، حدثنا يعلى بن عبيد ، عن يحيى بن قمطة ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر فإذا مات المؤمن يخلي سربه حيث شاء . ( وهذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا وتبرم بها ولم يكن له أنس إلا يذكر اللّه تعالى ، وكانت شواغل الدنيا تحبسه عن محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات وانفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع ، وما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم واللذات وأكمل اللذات للشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه ) . فقد روى النسائي وابن أبي الدنيا والطبراني من حديث عبادة بن الصامت « ما على الأرض من نفس تموت ولها عند اللّه خير تحب أن ترجع إليكم ولها نعيم الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى لما يرى من ثواب اللّه له » . ( لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا مشتاقين إلى لقاء اللّه راضين بالقتل في طلب مرضاته ، فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها طوعا بالآخرة والبائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع ، وإن نظر إلى الآخرة فقد