على أن يقول : « الروح من أمر ربي » ، فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وأن اطلع عليه ، وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت .
ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات وأخبار كثيرة .
أما الآيات : فما ورد في الشهداء إذ قال تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
شرح
يزيد على أن يقول : « الروح من أمر ربي » ) روى الشيخان من حديث ابن مسعود قال : كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح . فقال بعضهم : لا تسألوه فسألوه فقالوا : يا محمد ما الروح ؟ فما زال متوكئا على العسيب فظننت أنه يوحى إليه فقال :يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[ الإسراء : 85 ] وقد تقدم . وأخرج ابن جرير بسند مرسل أن الآية لما نزلت قالت اليهود :
هكذا نجده عندنا . وقد اختلف الناس في الروح على فرقتين :
فرقة أمسكت عن الكلام فيها لأنها سر من أسرار اللّه تعالى لم يؤت علمه البشر . وهذه الطريقة هي المختارة . قال الجنيد : الروح شيء استأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود وعلى هذا ابن عباس وأكثر السلف . وقد ثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح ، فأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : سئل ابن عباس عن الروح قال : الروح من أمر ربي لا تنالوا هذه المسألة فلا تزيدوا عليها قولوا كما قال اللّه وعلم نبيهما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاقال السيوطي : مسألة أبهمها اللّه في القرآن والتوراة وكتم عن خلقه علمها من أين للمتعمقين الاطلاع على حقيقة أمرها . وقد نقل ابن القاسم السعدي في الإفصاح أن أماثل الفلاسفة أيضا توقفوا عن الكلام فيها وقالوا : هذا أمر غير محسوس لنا ولا سبيل للعقول إليه . قال :
ووقوف علمنا عن إدراك حقيقة الروح كوقوفه عن إدراك سر القدر . قال ابن بطال : الحكمة في ذلك تعريف الخلق عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه . قال القرطبي : حكمته إظهار عجز المرء لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق سبحانه وتعالى من باب الأولى .
وفرقة تكلمت فيها وبحثت عن حقيقتها . قال النووي : وأصح ما قيل في ذلك قول إمام الحرمين إنها جسم لطيف مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر . ( فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه ) ، وقد اختلف أهل الطريقة الأولى هل علمها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد اللّه بن بريدة قال : لقد قبض النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما يعلم الروح . وقالت طائفة : بل علمها وأطلعه اللّه عليها ولم يأمره أن يطلع عليها أمته وهو نظير الخلاف في علم الساعة ، ( وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت ) .
( ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات وأخبار ) .
( أما الآيات فما ورد في ) حق ( الشهداء ) وهم المقتولون في المعركة ( إذ قال تعالى :وَلا