ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته ، وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سر قلبه وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا ، فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة ، وعند ذلك يقال له : «
كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ الإسراء : 14 ] وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدفن ، وتشتعل فيه نيران الفراق أعني فراق ما كان يطمئن إليه من هذه الدنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة ، فإن من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد لعينه . وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغنى عنه ، فقد حصل ما كان يوده واستغنى عنه . وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدفن .
ثم عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ، ويكون
شرح
ما ينكشف له ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته ) فيفرح ويحزن ، ( وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سر قلبه ، وكان يشغله من الاطلاع عليه شواغل الدنيا ) وعلائقها ، ( فإذا انقطعت الشواغل ) وبطلت العوائق ( انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيئة إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر ) أي يختار ( أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة ) فلا يمكنه ذلك ، ( وعند ذلك يقال له :كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) وقد روى الديلمي من حديث جابر : إذا حضر الإنسان الوفاة جمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول :رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ[ المؤمنون : 99 ، 100 ] ( وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدفن وتشتعل فيه نيران الفراق أعني فراق ما كان يطمئن إليه من هذه الدنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة ) أي القدر الذي يتبلغ به إلى أعمال الآخرة ، ( فإن من طلب الزاد للبلغة ) أي المقصد ، ( فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد بعينه ) بل لأجل التبلغ ، ( وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة ) الداعية ، ( وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغني عنه ) كما روي عن مالك بن دينار أنه كان يأخذ الحصاة من المسجد فيقول :
لوددت أن هذه أجدتني في الدنيا ما عشت لا أزيد على مصّها من الطعام والشراب وكان يقول : لو صلح لي أن آكل الرماد لأكلته ، ولو صلح إلى أن أعمد إلى بردي فاقطعه باثنين فاتزر بقطعة وأتردى بقطعة لفعلت . رواه أبو نعيم في الحلية من طريق يوسف بن عطية السفار . وروي عنه أيضا أنه قال :
خلطت دقيقي بالرماد فضعفت عن الصلاة ولو قويت على الصلاة ما أكلت غيره . رواه أبو نعيم من طريق يعلى الوراق . ( فقد حصل ما كان يوده واستغنى عنه . فهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه ) عند انقطاع النفس ( قبل الدفن ) .
( ثم عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد ) كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ( لنوع آخر