وظن قوم : أنه ينعدم بالموت ولا يتألم بعقاب ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر .
وقال آخرون : إن الروح باقية لا تنعدم بالموت ، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد ، وإن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا .
وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق . بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما
شرح
( وظن قوم : أنه ينعدم بالموت ولا يتألم بعقاب ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر ) وهو مذهب الجهمية والخوارج قالوا : إحياء الأموات لا يكون إلا في القيامة وينكرون عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ، وإلى هذا القول ذهب ضرار وبشر المريسي والنجارية . وقال ضرار : إن منكرا هو العمل السيء ونكيرا هو النكير من اللّه عز وجل على صاحب الفعل المنكر ، ويقرب من ذلك قول من زعم من المعتزلة : إن إحياء الأموات ورد أهل القبور إنما يكون بين النفختين لأن اللّه عز وجل قال :وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ[ الزمر : 68 ] قالوا :
فجائز أن يكونوا معذبين بين النفختين ، وأن يكونوا منعمين بينهما وهذا قول أبي الهذيل وبشر بن المعتمر واتباعهما من القدرية . ومنهم من شك في وقت الإحياء بعد الموت وقبل القيامة وقال : يجوز أن يكون إحياء الميت بعد دخول القبر ، ويجوز أن يكون بعده ولم يقطعوا على وقته وهذا قول الجبائي واتباعه من القدرية .
( وقال آخرون : إن الروح باقية لا تنعدم بالموت ، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وأن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا ) والقائلون بهذا أصناف : منهم من قال : إن الاحياء يكون في القيامة دون القبر إلا أن عذاب القبر لأهل العذاب صحيح ثابت على الوجه الذي يشعر به الميت وهو ميت ، وشبه الميت في ذلك بالنائم والمغلوب على عقله وهذا القول حكاه الكعبي عن غسان القاضي . قال أبو منصور التميمي : وغلط الحاكي عنه فإن غسانا كان من أصحابنا ، وقوله في هذه المسألة كقولنا ، وإنما يصح هذا القول على مذاهب الكرامية الذي زعموا أن الميت يصح أن يكون فيه علم بالألم وغيره ، ولا أعلم أحدا قال بمثل هذا من أصحاب الحديث إلا محمد بن جرير الطبري . ومنهم من زعم أن الإحياء يكون في القيامة وأن الميت في قبره قد يحدث اللّه فيه الألم وهو لا يشعر فإذا حشر وجد ذلك الألم في وقته الذي حشر فيه ، وشبهوه بسكران نام في الشمس فأثرت فيه وهو لا يشعر بذلك ، فإذا أفاق وجد ألم ذلك في نفسه ، وكذلك المغشي عليه إذا ضرب في حال الغشي .
( وكل هذه ظنون فاسدة ) وآراء ( مائلة عن الحق ، بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط ) وانتقال من دار إلى دار وليس بعدم