تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به . وإنما يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه وكيف يبعث من قبره ؟ وأنه على القرب سيلحق به كما روي عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال : كانت عجوز في عبد القيس متعبدة فكان إذا جاء الليل تحزمت ثم قامت إلى المحراب تصلي وإذا جاء النهار خرجت إلى القبور ، فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت : إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى ، وإني لآتي القبور فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها ، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأكفان الدسمة ، فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس وأشد تلفها للأبدان ، بل ينبغي أن يحضر من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز ، حيث دخل عليه فقيه فتعجب من تغير صورته لكثرة الجهد والعبادة فقال له : يا فلان لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبري وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان . وخرج الصديد من الفم وانفتح الفم ، ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج
شرح
يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ) وهل يقدم الدعاء لنفسه ثم للميت أو بالعكس ؟ الظاهر الثاني إذ الدعاء للميت مستجاب لا محالة قياسا على دعاء الغائب ، ثم يكون الدعاء لنفسه ، فهو أجرى أن يستجاب نظرا لكرم اللّه تعالى وسعة فضله ، ( و ) لا يغفل أيضا ( عن الاعتبار به ، وإنما يحصل الاعتبار بأن يصوّر في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه ) بعد أن كانت مجموعة ، ( وكيف يبعث عن قبره ) بعد ذلك التفرق ( وأنه على القرب سيلحق به ) . فتصوير هذه الثلاثة من أعظم ما يعتبر به الزائر من الميت وفي أثناء ذلك تصويرات كثيرة لا تحصى ، ( كما روي عن مطرف بن أبي بكر الهذلي ) رحمه اللّه ( قال : كانت عجوز في ) بني ( عبد القيس متعبدة ) أي كثيرة العبادة ( فكان إذا جاء الليل تحزمت ) أي شدت حزامها لتستعين به على القيام ( ثم قامت إلى المحراب تصلي ) عامة الليل ، ( وإذا جاء النهار خرجت إلى القبور ، فتكون عامة النهار ) هناك ، ( فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت : إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى ) أي النظر إليها ، ( وإني لآتي القبور فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأكفان الدسمة ، فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس وأشد تلفها للأبدان ) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور . ( بل ينبغي أن يحضر من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى حيث دخل عليه فقيه فتعجب من تغير صورته ) وتبدل حليته عما كان عليها ( لكثرة الجهد والعبادة فقال له : يا فلان لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبري وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين ، وتقلصت الشفتان على الأسنان ) أي يبستا ، ( وخرج الصديد من الفم وانفتح الفم ونتأ البطن ) أي