الداراني أتاه أصحابه فقالوا : أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم ، فقال لهم : ألا تقولون إحذر فإنك تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير ؟ ولما احتضر أبو بكر الواسطي قيل له أوصنا . فقال : احفظوا مراد الحق فيكم . واحتضر بعضهم فبكت امرأته فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت عليك أبكي ! فقال : إن كنت باكية فابكي على نفسك ! فلقد بكيت لهذا اليوم أربعين سنة . وقال الجنيد : دخلت على سري السقطي أعوده في مرض موته فقلت : كيف تجدك ؟ فأنشأ يقول :
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي * والذي أصابني من طبيبي
فأخذت المروحة لأروحه فقال : كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق ؟ ثم أنشأ يقول :
القلب محترق والدمع مستبق * والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشوق والقلق
يا رب إن يك شيء فيه لي فرج * فامنن علي به ما دام بي رمق
شرح
الرحمن بن أحمد ( الداراني ) رحمه اللّه تعالى ( أتاه أصحابه فقالوا ) له : ( ابشر فإنك تقدم على رب ) كريم ( غفور رحيم فقال لهم : ألا تقولون احذر فإنك تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير ) وهذا مقام من غلب على قلبه الخوف فلم يطمئن . ( ولما احتضر الواسطي ) هو أبو بكر محمد بن موسى صحب الجنيد والنوري ( قيل له : أوصنا . فقال : احفظوا مراد الحق فيكم ) وهي كلمة جامعة للخيور كلها فإن مراد الحق من عبده أن يكون له خاصة فلا يضاف إلا له ولا ينتسب إلا إليه ، وهذا هو التوحيد الخالص . ( واحتضر بعضهم فبكت امرأته فقال ) لها : ( ما يبكيك ؟ فقالت : عليك أبكي ، فقال : إن كنت باكية فابكي على نفسك فلقد بكيت لهذا اليوم أربعين سنة . وقال الجنيد ) قدس سره ( دخلت على ) أستاذي ( السري السقطي أعوده في مرض موته فقلت : كيف تجدك ؟ فأنشأ يقول :كيف أشكو إلى طبيبي ما بي * والذي بي أصابني من طبيبي )وهو مثل قول الصديق رضي اللّه عنه لما قيل له : الا ندعو لك الطبيب ؟ قال : قد رآني . وقول حذيفة رضي اللّه عنه لما قيل له قال : الطبيب أمرضني . ( فأخذت المروحة لأروّحه فقال : كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق ثم أنشأ يقول :القلب محترق والدمع مستبق * والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشوق والقلق
يا رب إن يك شيء فيه لي فرج * فامنن عليّ به ما دام بي رمق